فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 2536

الأمر الثاني: ثمة ضرب من الحب المريب يخالج الإنسان في حسه وشعوره بعد أن خالط ذهنه الوهم فبات في تصوره وظنه وسلوكه يهذي هذيان الشاطح الحالم - ذلك صنف من الأناسي غرتهم أمانيهم وأحلامهم الواهمة فانفتلوا بأنفسهم عن حقيقة الحب المنسجم فانساحوا ذاهلين مضللين بعد أن خدعتهم عقولهم التائهة وقلوبهم التي غشيها الزيغ والخلل - إن هذا الصنف من الناس خاطئ وجهول وهو يحسب أنه على شيء يحسب أنه محب لله وأنه مع لفيفه من زمرة الهائمين الحالمين البلهاء يحظون بمحبة الله دون غيرهم، لا جرم أن ذلك ضرب من الهوس الوجداني المنفوش الذي يفضي إلى اشتداد في الهيام والتهاب في المشاعر المصطنعة من غير روية ولا تبصر، المشاعر الهائمة المشبوبة التي لا يسعفها الفكر النير ولا المعرفة الحقيقية الواعية لأمور هذا الدين المتكامل المتسق، الدين الذي تأتلف في خضمه كل مناحي الحياة والسلوك ما بين سياسة واقتصاد واجتماع وجندية ومعاملات، فضلا عن جمال الزهد وصلابة العقيدة وروعة الحب الغامر لله وحده - في ذلك يقول عز من قائل: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم) وعلى هذا فإن من ادعى أنه محب لله وهو ليس على طريق الله وعلى نهج النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كاذب مخادع، أو أنه مضلل تائه مخدوع حتى يؤوب إلى الله في شرعه ومنهاجه ويمتثل في عامة أقواله وأفعاله وسلوكه لتعاليم الإسلام كاملة غير منقوصة، وإذ ذاك يحظى بحب الله له وبغفرانه ورحمته.

ثم يؤكد الله ذلك بمعاودة التذكير بضرورة الامتثال لشرع الله المبين في الكتاب الحكيم وفي السنة المطهرة - وعقيب هذا التأكيد ثمة تهديد لمن تولى عن طاعة الله ورسوله وعن الالتزام بشرائع الإسلام كاملة أنه سلك سبيل الكافرين والعياذ بالله - وذلك هو مقتضى قوله سبحانه: (قل أطيعوا الله والرسول فإن تولوا فإن الله لا يحب الكافرين)

قوله تعالى: (إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم) .

الاصطفاء معناه الاختيار - اصطفاهم أي جعلهم صفوة خلقه - وقد بينت هذه الآية المذكورين وعلو شأنهم ومكانتهم من بين العالمين - على أن المقصود بالاصطفاء فيه قولان: أحدهما: اصطفاء الدين - ففي الكلام محذوف - أي أن الله قد اصطفى دين آدم ودين نوح، وثانيهما: أنه اصطفى آدم نفسه وكذا نوح - واصطفى آل إبراهيم وآل عمران - لقد اصطفى الله هؤلاء أي صفاهم من الصفات الذميمة وزينهم بالخصال الحميدة، وهو ما نميل إليه.

أما اصطفاء آدم فكان لما يتجلى فيه من مزايا وهي: أولا: أن الله خلقه بيده في أحسن صورة - وثانيا: أن الله علمه الأسماء كلها - وثالثا: أنه أمر الملائكة بالسجود له - ورابعا: أنه أسكنه الجنة - وخامسا: أن الله جعله أبا البشر.

أما اصطفاء نوح فإنه لما يتجلى فيه من مزايا، منها: أنه جعله أبا البشر بعد آدم؛ وذلك أن الناس كلهم- باستثناء من في السفينة- قد غرقوا وصار ذريته هم الباقين ومنها: إن الله حمله على السفينة فنجا ومن معه وهلك الباقون.

ومنها: أن الله استجاب دعاءه على الكافرين لما لجوا في كفرهم وطغيانهم حتى طال عليهم الأمد وهم على حالهم من الشرك والعتو وعبادة الأصنام فأغرقهم الله عن آخرهم ولم ينج منهم إلا من اتبع نوحا على دينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت