ذلك إخبار عن هول من أهوال القيامة إذا قامت، فحينئذ {يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} {الْمُجْرِمُونَ} هم الذين فرطوا في دينهم وزاغوا عن منهج الله الحكيم وآثروا الاعوجاج على الاستقامة والهدى؛ أولئك ينالهم من الرعب والذعر واليأس ما ينالهم، وهم إذا عاينوا شدائد القيامة ولمسوا فظائعها وفوادحها الثقال راحوا يحلفون-وهم واهمون- على أنهم {مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ} أي يحلفون أنهم لم يلبثوا في قبورهم غير ساعة قصيرة عابرة من نهار، أو أنهم لم يلبثوا في الدنيا غير ساعة - وذلك لسرعة انقطاعها وزوالها، وقيل: يحلفون كاذبون - وهذه حالهم في الكذب في الدنيا، وكذلك يكذبون في الآخرة.
وهو قوله: {كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ} ، يُصرفون - أفكه عن رأيه: أي صرفه، ورجل أفاك: أي كذاب 45 والمعنى: مثل ذلك الصرف كانوا يُصرفون عن الحق أو الصدق في الدنيا - أي كانوا يكذبون ويصدون عن دين الله وهو الحق.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} يرد عليهم العلماء من المؤمنين قائلين لهم: لقد لبثتم في قبوركم إلى يوم البعث {فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ} أي هذا هو اليوم الذي تبعث فيه الخلائق من قبورهم للحساب والذي كنتم تكذبون به - والمراد بكتاب الله، علمه المثبت في اللوح المحفوظ.
قوله: {وَلَكِنَّكُمْ كُنتُمْ لا تَعْلَمُونَ} أي ما كنتم تعلمون أن هذا اليوم حق، بل كنتم تستعجلونه تهكما واستخسارا - هكذا يقال للمجرمين يوم القيامة على سبيل التوبيخ والتبكيت، زيادة لهم في التنكيل - وحينئذ يصيبهم من شدائد الندم والقنوط ما يصيبهم، من غير أن يجديهم ذلك نفعا.
قوله: {فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يَنفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ} إذا قام الناس من قبورهم وأقسم المجرمون أنهم لم يلبثوا في الدنيا أو في القبور غير ساعة واصطنعوا لأنفسهم المعاذير في هذا الموقف العصيب فإن ذلك لا ينفعهم ولا يغنيهم ولا يرد عنهم ما حاق بهم من عذاب محتوم واصب.
قوله: {وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ} أي لا يطلب منهم العتبى وهي الطاعة أو الرجوع إلى ما يرضي الله - يقال: استعتبني فأعتبته: أي استرضاني فأرضيته 46 والمعنى: أن المجرمين الخاسرين يوم القيامة، لا يطلب منهم الإعتاب وهو الرجوع إلى الدنيا للطاعة والتوبة عما فعلوه من المعاصي 47.
قوله تعالى: {وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِن جِئْتَهُم بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (58) كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ (59) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ} .