فهرس الكتاب
نزل القرآن على نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم هداية للناس ورحمة وهو {يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} فقد اختلف بنو إسرائيل من اليهود والنصارى في أشياء كثيرة من قضايا العقيدة وغيرها من الأحكام مما حرّفوه في كتبهم فاحش التحريف، كالقول في عيسى ابن مريم، إذ فرّطت يهود تفريطا فكذبوه أد تكذيب وتمالئوا عليه أشنع تمالؤ - وأفرطت النصارى إفراطا فألهوه وعبدوه - إلى غير ذلك من مختلف الأحكام في مسائل الحياة والمعاش.
لقد جاء القرآن ليحمل للناس كافة قواعد ثوابت في الخير والحق والعدل والفضل والرحمة لتستقر بهم الحياة ويستقيم فيهم السلوك فيعيشوا أسوياء كرماء سعداء آمنين في هذه الدنيا - ويوم القيامة يسعدون بالجنة والرضوان.
قوله: {وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} القرآن هداية للمؤمنين، ينير لهم الطريق ويكشف لهم الحق والصواب - وهو كذلك رحمة لهم يسعدون بأحكامه ومواعظه وتصوراته - وقد خصّ المؤمنين بذلك؛ لأنهم وحدهم الذين ينتفعون بالقرآن الحكيم بسبب يقينهم وثقتهم الكاملة بصلوحه وصدقه - أما الجاحدون المكذبون فهم بعيدون عن الخير والرحمة التي جاء بها القرآن للعالمين.
قوله: {إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ} الله يحكم بين المختلفين من بني إسرائيل بقضائه فيهم ليجازي المسيء بإساءته،
والمحسن بإحسانه.
قوله: {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ذلك تثبيت من الله لقلب رسوله محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ يأمره أن يثق بجلال قدره وعظيم سلطانه، وأن يفوض كل أمره إليه ويعتمد عليه كامل الاعتماد فهو سبحانه ناصره ومؤيده.
قوله: {إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ} ذلك تعليل للأمر بالتوكل على الله وحده دون غيره؛ لأن المتوكل مهتد وهو سائر في طريق الحق الظاهر الأبلج الذي لا شك فيه ولا غبش.
قوله: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} المراد بالموتى، الكفرة من الجاحدين والمرتابين والمكذبين والزائغين عن منهج الله وعن طريق الحق - أولئك جميعا كالموتى لا يفهمون ولا يعون ولا ينطقون؛ فهو بذلك لا يجدي فيهم التذكير والموعظة.
قوله: {وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ} وكذلك شبههم بالصم الذين لا يسمعون - وتلك هي حقيقة الكافرين على اختلافهم في ملل الكفر وصوره ومسمياته؛ فإنهم لا تنفعهم النصيحة، ولا تنفذ إلى قلوبهم وعقولهم العبرة والعظة إذا تولوا جامحين معرضين عن دين الله وقرآنه الحكيم، فهم قساة غلاظ، قد استغلق عليهم التدبر والتفكر والاعتبار.
قوله: {وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ} أي ليس في مستطاعك يا محمد أن تهدي أولي الطبائع السقيمة والفطر التي أتى عليها الزيغ والخلل والاعوجاج، فأولئك سادرون في مجاهل الضلالة والغي، ولا يملك الإنسان كيفما كان شأنه أن يقوم اعوجاجهم فيثنيهم عن الجنوح على الباطل والعصيان - وقد شبههم بالعميان الذين لا يبصرون شيئا - فأنى للأعمى بالخلقة أن يرتد بصيرا.