فهرس الكتاب

الصفحة 1200 من 2536

قوله تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ 54 قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} لما استبان للملك براءة يوسف وطهره وأمانته، وتحقق من كونه عالما صابرا مفضالا قال: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} أي أجعله خالصا لنفسي فأفوض له سياسة الرعية وشؤون الدولة {فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مِكِينٌ أَمِينٌ} لما كلم الملك يوسف عليه السلام وأحس منه رجاحة العقل وسمو الطبع وفائق العلم وحسن الخلق والخلق قال له: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} {مكين} ، أي ذو مكانة رفيعة - أو متمكن نافذ القول - و {أمين} أي مؤتمن على كل شيء من أمور الدولة والرعية.

قوله: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ} أي ولني على حفظ خزائن الأرض - أو ولني أمر البلاد وهي مصر - قال ابن كثير في معنى ذلك: سأله أن يجعله على خزائن الأرض وهي الأهرام التي يجمع فيها الغلات لما يستقبلونه من السنين التي أخبرهم بشأنها فيتصرف لهم على الوجه الأحوط والأصلح والأرشد، فأجيب إلى ذلك رغبة فيه وتكرمة له.

قوله: {إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} أي أحفظ ما وليت حفظه، أو ما تستحفظني إياه - و {عليم} بوجود التصرف السديد النافع.

وثمة مسألة ينبغي توضيحها وهي: هل يجوز للمسلم أن يطلب تقليده ولاية أو عملا من أعمال الدولة وسياسة الرعية إن كان السلطان الأعظم غير مسلم أو كان يحكم بغير شريعة الإسلام؟ ثمة قولان في هذه المسألة:

القول الأول: إن كان الذي يطلب تقليده ولاية أو عملا من أعمال الدولة يعلم من نفسه أنه أهل لتقليده، جاز له ذلك إن كان يعلم أنه ليس في البلاد من يقدر على الاضطلاع بمثل هذا العمل أو هذه الوجيبة - وهو ما يستدل من هذه الآية؛ فقد طلب يوسف الولاية؛ لأنه يعلم أنه ليس من أحد يقوم مقامه في العدل والاستقامة والإصلاح وإيصال الحقوق إلى أهلها من الفقراء والمحتاجين؛ من أجل ذلك رأى يوسف أن توليه الولاية في مثل هذا الظرف متعين في حقه؛ إذ لم يكن حينئذ غيره من هو أهل لذلك - فامتدح يوسف نفسه بما هو أهله {إني حفيظ عليم} ومثل هذا الحكم -لا جرم- ينسحب على المسلمين في أي زمان إذا علم المتولي أنه ليس من أحد سواه من يضطلع بأمانة التولي على الوجه الأتم والصحيح - حتى إذا امتنع هو، تولى مكانه غير الصالحين من الناس وذلك يفضي في الغالب إلى الإفساد في المجتمع والإضرار بالمسلمين.

وعلى هذا لو علم المرء من نفسه القدرة والصلاح باحتماله وجيبة القضاء أو الولاية أو نحو ذلك من ضروب السلطة في البلاد، وهو يعلم أنه ليس من أحد في الناس مكافئا له في حمل هذه الوجيبة بات احتمالها في حقه لازما كيلا يتضرر المسلمون أو يصيبهم الفساد بتولية الجاهلين أو المفسدين أو المسرفين من الناس.

أما إن كان يعلم أن في المسلمين خيارا صالحين سواه يقتدرون أن يتولوا بعض المناحي من أمر الرعية؛ فلا يجوز لأحد إذ ذاك أن يتقدم في اجتراء مريب ليطلب تقليده مركزا من المراكز، أو شيئا من إمارة المسلمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت