قوله: {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة} فرادى في محل نصب حال - ولا ينصرف، لأن في آخره ألف التأنيث - وفرادى جمع ومفرده فردان - مثل سكارى وسكران - وكسالى وكسلان، وقيل: فرادى جمع فريد - وقيل: جمع وواحده: فرد - والكاف في {كما} في محل نصب وصف لمصدر محذوف - وتقديره: لقد جئتمونا منفردين مثل حالكم أول مرة 106 والمعنى: أنكم جئتمونا إلى الحشر وحدانا - أي واحدا واحدا ليس معكم مال ولا أعوان ولا شفعاء بل جئتمونا حفاة عراة غرُلا كما خرجتم من بطون أمهاتكم ليس معكم شيء، لا أهل ولا ولد ولا ناصر.
قوله: {وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم} خولناكم: أعطيناكم وملكناكم - خوله الله الشيء تخويلا، ملكه إياه 107 أي تركتم ما ملكناكم وما أعطيناكموه في الدنيا من المال والخدم وأصناف الخير والنعم التي شغلتم بها أنفسكم عن الآخرة - لقد تركتم ذلك كله خلفكم وجئتمونا اليوم آحادا بغير شيء تملكونه أو ينفعكم.
قوله: {وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركؤا} نزلت هذه الآية في النضر بن الحرث لقيله إن اللات والعزى يشفعان له عند الله يوم القيامة وقيل: كان ذلك قول سائر عبدة الأوثان - فرد الله بهذه الآية مقالتهم الباطلة وظنهم الواهم الكاذب بما يقرعهم تقريعا ويوبخهم توبيخا زيادة في التنكيل والتغليظ بهم - والمعنى أنكم أيها المشركون الظالمون الذين كنتم تتشبثون بشفاعة الأصنام لكم، ها أنتم جئتمونا فرادى حيارى وجلين وليس معكم من نصير ولا شفيع يدرأ عنكم العذاب - ولم نر معكم أصنامكم التي اتخذتموها في الدنيا شركاء لله فعبدتموها وظننتم كاذبين أنها لكم شفعاء إذا ما قامت القيامة.
قوله: {لقد تقطع ببينكم} أي تقطع بينكم وصلكم - فوقع التهاجر والتقاطع بينكم وبين شركائكم الأصنام، إذ تبرأوا منكم - وذهب ما كان بينكم من تواصل وتواد.
قوله: {وضل عنكم ما كنتم تزعمون} أي ضاع وذهب عنكم شركاؤكم من الأصنام الذين كنتم تزعمون أنهم منجوكم وأنهم لكم شفعاء - فيومئذ لا ينفعوكم ولا يشفعون لكم - وليس إذ ذاك إلا النار وبئس القرار، ولات حين مندم ولا شفاعة ولا مناص 108.
قوله تعالى: {إن الله فالق الحب والنوى يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون (95) فالق الإصباح وجاعل اليل سكنا والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم (96) وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر قد فصلنا الآيات لقوم يعلمون} .
يبين الله في هذه الآيات بعضا من عجائب صنعه في الحياة والخلق - بما يكشف للأذهان والعيان عن العظمة المطلقة للخالق، والقدرة البالغة لجلاله سبحانه وأنه الإله المربوب الذي ذرأ كل شيء وقدره تقديرا - فما يكون من صغير ولا كبير، ولا دقيق ولا جليل، ولا يسير ولا عسير إلا هو من صنع الله وإتقانه - وهذه شواهد نزرة من شواهد عظام على صدق الكتاب الحكيم وعلى أن الله وحده له الإلهية العظمى بعيدا عن الشرك والشركاء - وما الأنداد والأصنام والأرباب المصطنعة بعد ذلك إلا الأباطيل المفتراة التي تراود أوهام التائهين التعساء فتمس حلومهم وفهومهم الواهية المريضة مسا.
قوله: {إن الله فالق الحب والنوى} فالق، من الفلق بسكون اللام وهو الشق - والحب معروف ومنه حبة الحنطة والشعيرة والذرة، وسائر أنواع الحبوب - وأما النوى فهو جمع نواة وهي العجمة - وهو يجري في كل ما له عجم كالمشمش والخوخ والتمر 109.