فهرس الكتاب

الصفحة 838 من 2536

قوله: {إنا جعلنا الشيطان أولياء للذين لا يؤمنون} أولياء، أي قرناء أو أعوان؛ فقد سلط الله الشياطين على أعوانهم من غير المؤمنين؛ ليضلوهم ضلالا مبينا - قال الزمخشري في تأويل ذلك: خلينا بينهم وبينهم، فلم نكفهم عنهم حتى تولوهم وأطاعوهم فيما سولوا لهم من الكفر والمعاصي 30.

قوله تعالى: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا تعلمون 28 قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين كما بدأكم تعودون 29 فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون} .

الفاحشة، كل ما عظم قبحه - والفاحش كل شيء جاوز حده 31 - والمراد بالفاحشة هنا كل فعل قبيح بلغ في مراتب القبح النهاية، والمراد بالفاحشة التي كان يفعلها الجاهلون طوافهم بالبيت عراة - وقيل، معناها الشرك.

والحقيقة أن الفاحشة تصدق على عموم الذنوب والخطايا الكبيرة التي كان الجاهليون يتلبسون بها معتذرين بأنهم فعلوا ذلك اقتداء بآبائهم؛ إذ وجدوهم يفعلونه فهم على آثارهم سائرون - وزعموا أيضا أن الله أمرهم بذلك - وكلا الاعتذارين داحضين - لا جرم أنهما زعمان في غاية الافتراء والبطلان أما الأول، فغن ما فعله آباؤهم من ضلالات ما كان يليق بذي عقل وبصر أن يتشبث به أو يفعله؛ لأن آباءهم كانوا سادرين في الغي والجهالة، وأنهم في جل حياتهم وأهوائهم وسلوكم وتصوراتهم إنما كانوا يتيهون في العمالة والضلالة - فأنى لأمثال هؤلاء الضالين السفهاء أن يقلدهم الناس ويعتبروا آثارهم.

وأما الثاني، فإن الله برئ من هؤلاء المشركين وضلالاتهم وافتراءهم - إن الله ما أمر بالفحشاء ولا يرضي لعباده الكفر والعصيان والباطل - وفي ذلك قاله سبحانه: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} ثم قال سبحانه موبخا هؤلاء الكاذبين السفهاء الذين زعموا أن الله أمرهم بالفحشاء، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا: فقد رد الله فعالتهم ردا شديدا فيه التعنيف لهم والاستنكار {أتقولون على الله ما لا تعلمون} استفهام توبيخ وإنكار؛ فقد عنفهم الله على كذبهم وافترائهم تعنيفا.

ولا يفوتنا ونحن نتكلم في هذه الخصلة الذميمة وهي تقليد الآباء واتباع آثارهم ومعتقداتهم وإن كانوا على العماية والضلالة، أن ننبه إلى فداحة هذه الخصلة الذميمة ومبلغ خطورتها؛ فلقد ضل أكثر الناس من مشركين وملحدين وأهل كتاب ووثنين تحت وطأة التقليد الفاسد للآباء الضالين والجاهلين والسفهاء - لقد غرر الآباء المضلون بالأحفاد المغرورين بما تركوه لهم من ركام الضلالة الموروث سواء في العقيدة أو التشريع أو التصور - إنهم ما تركوا سوى الإشراك والركام المضطرب من ضلالات العقيدة المقلوبة المشوهة - ومن أشتات الأحكام والأقوال والتصورات الخارجة عن دائرة العقل السليم، والمجاوزة لكتب الله الحقيقية الأصلية كل مجاوزة، والتي خالطها من التحريف والتزييف والتغيير ما قبلها رأسا على عقب أو جعلها ضربا من عقائد التخريف والهذيان والهوس المحموم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت