ولقد استبان عجز العرب عن المحاكاة واصطناع ما يشبه القرآن من خلال إقرارات واقعية صريحة أنطقت فريقا من رجالات العرب كانوا قمة العظماء والبلغاء، وفي طليعتهم عتبة بن ربيعة الذي سمع القرآن لأول مرة فغشيته غمرة من الدهش والذهول فأقر بغير تحفظ أو وناء أن هذا القرآن لم يكن قول بشر - كان ذلك عندما قرأ عليه النبي من سورة فصلت: (حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون) .
وكذلك الوليد بن المغيرة وهو صناديد العرب البارزين وأحد مشاهيرهم في ميدان البيان واللسن، ومن الذين يتسنمون ذروة المجد في فن الخطابة والشعر بما يبدأ الخطباء والفصحاء جميعا، ذلك هو ابن المغيرة الذي راغ إلى النبي متحديا حتى سمع منه القرآن مرة فهجعت فيه السورة، واستنام فيه الغرور، وأخذته نوبة من العجب العجاب، قد كان ذلك عندما سمع ابن المغيرة كلمات القرآن تقرع ذهنه ووجدانه قرعا، (يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثيابك فطهر والرجز فاهجر ولا تمنن تستكبر ولربك فاصبر - - - (فلم يلبث ابن المغيرة إلا أن يردد في إقرار خاضع"ما كان هذا الكلام ليقوله بشر".
ثم ذاك الحكيم البليغ المفوه"الكندي"وهو المعروف بحكمته وامتلاكه لمقاليد البيان، وقد كان له: أنصار ومريدون لا يبارحونه ويتسابقون في استماع الحكمة المنطوقة من فمه، فقد قال له هؤلاء مرة: أيها الحكيم اعمل لنا مثل هذا القرآن، فقال: نعم أعمل مثل بعضه، فاحتجب أياما كثيرة ثم خرج فقال: والله ما أقدر ولا يطيق هذا أحد، إني فتحت المصحف فخرجت سورة المائدة فنظرت فإذا هو قد أخبر عن قدرته وحكمته في سطرين ولا يقدر أحد أن يأتي بهذا - 10
ذلك إقرار واضح من أحد الموغلين في فن القول والبيان يشهد للقرآن بأنه معجز فذ، كان ذلك عندما قرأ الكندي أول آية في سورة المائدة وهي (يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد) .
قوله: (فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين (تتضمن الآية شرطا وجوابه، فجملة الشرط منفية، والجواب ما اقترنت به الفاء وذلك في قوله(فاتقوا النار - - -) .
والآية تنطوي على التحدي للمشركين: إن كانوا يستطيعون اصطناع مثل هذا الكلام العظيم، والآية كذلك تتضمن مسبقا حقيقة عجزهم عن هذا الاصطناع.
وعلى ذلك فالجملة الفعلية المنفية الأولى تفيد الحال، أما الجملة الفعلية المنفية وهي الواقعة في جواب الشرط فإنها تفيد الاستقبال، وهي لا جرم أن تكون آكد في التحدي وأبلغ في التأثير والاستثارة بما يدفع المشركين لبذل المزيد من الجهد كيما يأتوا بمثل هذا القرآن إن استطاعوا، ولكنهم لن يستطيعوا مهما بذلوا من عناء التكلف، ذلك هو الحكم الفصل الذي انطوت عليه الآية ليعلم كل من يبتغي العلم أن أحدا من البشر لن يقوى في يوم من الأيام على اصطناع مثل هذا القرآن أو بعضه، والحكم الفصل في قوله: (ولن تفعلوا (يرسخ حقيقة الإعجاز للقرآن.