ويأتي في طليعة المعطيات الخيرة لخاصية السمع للإنسان أنه يستطيع بوساطتها الاستماع الى القرآن الكريم، وذلك أمر هائل وبالغ الجلال، لما ينطوي عليه من كبير المعاني والمؤثرات التي تلج الكينونة البشرية وهي تتعامل مع كلمات الله في قرآنه الرائع المعجز.
أمام البصر فإن انعدامه لا يفقد شيئا من هاتيك المعطيات التي لا تتحصل إلا بالجهاز السمعي، فالأعمى الذي يكون عاقلا يستطيع أن يستفيد بنفس القدر الذي يفيده المبصر، فهو الأعمى يستمع باهتمام ورهافة لكل ضروب الخير القولية والفعلية التي تطرح أمامه وهو يستمع إليها استماعا.
وقوله: (ولهم عذاب عظيم (العذاب من الفعل عذب أي منع وحبس، واستعذب بمعنى امتنع عن فعل الشيء أو انصرف عنه، ونقول: أعذبه عن الأمر أي منعه منه أو حبسه عنه، وبذلك فالعذاب معناه في اللغة: ما شق على الإنسان ومنعه من تحصيل ما يريد، وبناء على هذا فإن العذاب الوارد في الآية معناه أن الإنسان العاصي يحبس عنه الخير ليحل عليه بدلا منه ما يضاده من ألوان الشر والضر والبلاء، وذلك ما أعده الله لأولئك الكفرة المتمردين الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وجعل على أبصارهم غشاوة.
قوله تعالى: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون الله والذين ءامنوا وما يخادعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون (تفرغ كلمات الله الآن للحديث عن المنافقين بعد أن فرغت من الحديث عن المؤمنين ثم الكافرين في آيات قلائل، لكن دور الكلام عن المنافقين يستنفذ قدرا أكبر من البيان والكشف والتوضيح بما يقتضي قدرا أكبر من الكلمات القرآنية المؤثرة الرائعة، قال مجاهد رحمه الله في هذا الصدد: نزلت أربع آيات من سورة البقرة في المؤمنين واثنتان في نعت الكافرين وثلاث عشرة في المنافقين وبذلك فإن هذه الآيات وما بعدها تعرض لصنف ثالث من البشر المضطرب الذي فسدت فيه القلوب والفطر فباءت تستمرئ الغش والباطل، وتفارق كل مظاهر الخداع والتدسس، هذا الصنف من البشر الآسن ينفر من الصدق وسلامة المسعى في صراحة مكشوفة، ويأبى إلا التعامل المريب وهو يتلصص في الظلام أو ساعة غفلة الناس.
هؤلاء هم المنافقون الذين يظهرون غير ما يبطنون والذين تندد بهم هذه الآيات تنديدا يكشف عن مكنون قلوبهم المريضة الجائفة، فيقول سبحانه: (ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (الناس في اللغة أصلها أناس مخفف وقد ورد في معناها جملة أقوال أقتضب منها ثلاثة، أولها أنها من النوس ومعناه التذبذب والحركة، والناس شأنهم أن يدأبوا على التحرك والتذبذب في فعالية لا تنقطع.
ثانيهما: أن الناس من النسيان، وأصل ذلك الفعل نسي، ومعلوم أن الإنسان مبني على النسيان حتى إن أحدا منن البشر لا يتجرد عن هذه الحقيقة الأصيلة، وهي حقيقة لصيقة بطبع الإنسان فلا تبرحه، وأول الخلق كافة آدم عليه السلام كان قد نسي وقال الله سبحانه فيه: (ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما) .
ثالثهما: أن الإنسان من الأنس أو الإيناس فإن الإنسان كائن مستأنس بمن حوله من أفراد أو جماعات بشرية وفي ذلك يقول الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لأنسه - - - ولا القلب إلا أنه ينقلب