ما شمي القلب إلا من تقلبه - - - فاحذر على القلب من قلب وتحويل
أما عن القلب من حيث كيفيته وحقيقته والمقصود به، إن كان هو الموجود في صدر الإنسان على هيئة حبة الكمثرى فيكون بذلك جزءا من البدن ماديا، أو غير ذلك مما هو اعتباري الكينونة وعلى نحو غير مادي ولا محس - -.
ولعل الفهم السليم لهذه المسألة أن نتصور المقصود من القلب على شاكلته المرئية في الصدر وأن هذه الشاكلة لهي ذات علاقة أساسية وجوهرية بطبيعة التكوين النفسي والروحي للإنسان، إلا أن طبيعة هذه العلاقة أو كيفيتها غير معروفة للإنسان تماما، وكل الذي يمكن الوقوف عليه أن قلب الإنسان لهو جماع الخير أو الشر فيه (الإنسان) وأنه جهاز تكويني بالغ التأثير والفعالية في سلوك الإنسان وتصرفاته القولية والفعلية جميعا، وأنه لا يمكن إسقاط القيمة للصورة المادية للقلب وهو على هيئته من قطعة اللحم، وأن طبيعة العلاقة بين هذه القطعة المحسة والحوافز المعنوية والروحية غير مدركة إدراكا مستبينا.
أمام عن وجود القلب في الإنسان وفي الصدر على وجه الخصوص فقد قال الله في القرآن عن ذلك: (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) .
وقال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم:"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب".
وقوله: (وعلى سمعهم (أي أن الختم طبع على أسماع هؤلاء الكافرين الذين لا يعون قولا كريما ولا يملكون أن يسمعوا نصحا.
أما إفراده للسمع مع أنه جمع القلوب فسبب ذلك أن السمع في الآية قد ورد على صيغة المصدر من الفعل"سمع"فكأنه يقول: إن الختم قد وقع على سماع هؤلاء الكافرين، وليس المقصود هنا أداة الاستماع وهي الأذن، وقيل غير ذلك.
قوله: (وعلى أبصارهم غشاوة (الواو للاستئناف، فالجملة هنا مستأنفة بحيث لا ترتبط من حيث الختم مع ما قبلها من القلوب والأسماع، وبذلك فإن الوقوف على قوله (سمعهم (مطلوب، ومن المستبعد المرجوح أن تكون الواو هنا عاطفة على ما قبلها فيكون الختم واقعا على الأبصار مع الأسماع والقلوب، ومعلوم أن الختم إنما يقع على القلوب والأسماع ولا يصلح أن يقع على الأبصار التي لا يناسبها غير الغشاوة وهو الغطاء، يؤيد ذلك قوله سبحانه: (وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة (وبذلك فإن البصر تقع عليه الغشاوة ليستقيم المعنى، وغير ذلك لا يتفق والمعنى أو السياق.
ومما يلاحظ لدى تدبر الآية أن المذكورات الثلاثة، وهي: القلوب والسمع والأبصار قد وردت مرتبة بحسب الحظ من الأهمية، فأشد هذه المذكورات أهمية هو القلب ثم السمع وأخيرا يأتي البصر، ولا غرابة أن يرد ذكر القلوب في الطليعة من الاهتمام والأهمية، لأن القلب لهو مناط التأثير والفعالية، ومبعث التنشيط والعزم، وموئل التوجه والسلوك في الإنسان سواء كان ذلك صوب الخير أو الشر.
أمام السمع فلا جرم أن يكون أشد أهمية وتأثيرا في الإنسان من البصر، وذلك من حيث العواقب والسلبيات التي تترتب على افتقاد كل من الطرفين، والحقيقة التي لا شك فيها أن افتقاد الإنسان للسمع سوف يكون سببا لحرمان كبير يحيق بشخصه وذلك من الناحية العقلية والنفسية والروحية، وغير ذلك من النواحي التي تنشئ الشخصية المنسجمة المتسقة للإنسان.
فإن الملاحظ أن السمع في الإنسان لهو سبب لخصائل عظيمة شتى منها سماع العلم بضروبه المتعددة، والاستماع بتدبير للنصيحة النافعة التي يكتسب المرء عن طريقهما ظواهر في الاعتدال والاستقامة أو في الارتداع عن كل مظاهر الإثم والضرر.