قوله تعالى: {قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين 128 قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعده ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} بعد ذلك لقيه موسى والمؤمنين معه من التنكيل فرعون وجنوده، وبعد الذي حل بهم من ألوان البلاء والعذاب من تقتيل وإذلال وتسخير وقهر، دعا موسى قومه إلى الاحتمال والصبر على ما حل بهم من بلاء فرعون وجنوده ثم بين لهم أن هذه الأرض لسوف يورثها الله من يشاء من عباده فعسى الله أن يورثكم إياها إن صبرتم واحتسبتم ذلك عند ربكم.
وذلك أن {والعاقبة للمتقين} أي أن عاقبة الخير والحسنى المصير المحمود في الدنيا والآخرة لسوف يكون للذين يتقون ربهم فيخافونه ويجتنبون معاصيه ويؤدون فرائضه ويلتزمون أحكامه - وفي ذلك ما يشير إلى دنو هلاك فرعون وجنوده الظالمين بما ينشر الأمل بني إسرائيل أن خلاصهم من طغيان فرعون قد اقترب.
قوله: {قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا} بعد أن دعا موسى قومه للاصطبار واحتمال الأذى والمكروه قالوا له -وهم محزنون- إنهم أصابهم البلاء والإذلال والقتل على يد فرعون من قبل أن يبعثك الله إلينا رسولا؛ لأن فرعون كان عازما قبل أن تأتينا نبيا ورسولا، أن يقتل أنباء بني إسرائيل لما بلغه من خبر أن زوال ملكه كائن على يد مولود منهم - وكذلك قالوا له: إن العذاب نازل بهم من فرعون بعد مبعثه فيهم، فهم معذبون من فرعون من قبل موسى ومن بعده.
قوله: {قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون} ذلك تصريح بما يشير إليه من البشرى لبني إسرائيل بهلاك فرعون ليخلفوه في ملكه من بعده - وقيل: عسى، من الله واجب؛ فقد وعدهم الله بإهلاك فرعون واستخلافهم في مصر من بعده - وقد تحقق ذلك كله؛ فقد استخلفوا في مصر في زمان داود وسليمان عليها السلام وفتحوا بيت المقدس بقيادة يوشع بن نون - وذلك كله ليرى الله ما هو كائن منهم من العمل الحسن منه والقبيح، والطاعة أو المعصية، والشكران أو الكفران، ليجازيهم ربهم على ما يفعلون من ذلك.
قوله تعالى: {ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات لعلهم يذكرون 130 فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا طائركم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون} السنين الجمع سنة وهي هنا بمعنى الجدب وليس الحول - والمراد بالسنين، الجدوب والقحوط؛ فقد ابتلى الله فرعون وقومه بنقص الثمرات، وبالقحوط سنة بعد سنة، جزاء كفرهم وجرائمهم وتلبسهم بالشرك والمعاصي {لعلهم يذكرون} أي لعلهم يتعظون أو تلين قلوبهم فيجتنبون المعاصي والباطل وينزجرون عن الأذى والشر.