قوله تعالى: {وجوزنا بني إسرائيل البحر فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة قال إنكم قوم تجهلون 138 إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون 139 قال أغير الله أبغيكم إلها وهو فضلكم على العالمين 140 وإذ أنجيناكم من آل فرعون يسمونكم سوء العذاب يقتلون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم} .
المجاوزة، العبور، والمجتاز معناه السالك ومجتاب الطريق 175 والمعنى: أن الله يسر لبني إسرائيل أن يعبروا البحر فينفذوا إلى الساحل والبر آمنين سالمين بعد أن أهلك فرعون وجنوده غرقا في البحر - وبعد مجاوزتهم مروا على قوم مشركين كانوا يسكنون ساحل البحر وكانوا {يعكفون على أصنام لهم} أي يواظبون على تقديسهم ويقيمون على عبادتها وهي تماثيل من الحجارة - وما أن رأى بنو إسرائيل ذلك حتى جنحت طباعهم التي لا تحتمل الثبات والجد، والتي جبلت على الاسترخاء والانمياع -جنحت للهزل والرغبة في الباطل والاعوجاج فسألوا نبيهم موسى أن يصنع لهم إلها من صنم كآلهة هؤلاء المشركون العاكفون على عبادة أصنامهم؛ فأجابهم موسى موبخا إياهم أيا توبيخ {إنكم قوم تجهلون} أي إنكم جاهلون ما أوتيتم من الآيات والمعجزات التي تشهد بصدق ما جئتم به وبطلان ما سواه من ملة الوثنية والشرك.
قوله: {إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون} {متبر} أي هالك ومكسر، من التبر، بفتح التاء وهو الإهلاك - والتبار، بالفتح الهلاك - وتبره تتبيرا أي كسره وأهلكه - و {متبر ما هم فيه} ، أي مكسر ومهلك 176 - وذلك جواب موسى لبني إسرائيل لما سألوه أن يجعل لهم إلها صنما كأصنام القوم المشركين؛ لقد أجابهم في جد وحزم ومفاصلة غاية في الوضوح - وهي أن هؤلاء المشركين هالك ما هم فيه من عبادة الأصنام وما اصطنعوه وتشبثوا به من ديانة فاسدة بنبت على الضلال والبطلان والشرك - فإن ذلك كله صائر إلى الدمار والهلاك ولا يبقى منه شيء - وكذلك {وباطل ما كانوا يعملون} أي ذاهب وزائل ما قدموه من أعمال؛ فهي ماضية بغير وزن ولا اعتبار كقوله: {وقدمنا إلى ما علموا من عمل فجعلناه هباء منثورا} .
قوله: {قال أغير الله أبغيكم غلها وهو فضلكم على العالمين} الاستفهام للإنكار والتوبيخ - وغير، مفعول به الفعل الذي بعده - وإلها، منصوب على التمييز أو الحال - والجملة {وهو فضلكم على العالمين} في موضع نصب على الحال؛ أي كيف أطلب لكم إلها تعبدونه غير الله؟! ولله وحده المستحق للعبادة وهو الذي هداكم لما فيه صلاحكم وخيركم ونجاتكم في الدنيا والآخرة - وفوق ذلك {فضلكم على العالمين} والتفضيل يحتمل وجهين - أولهما: أنه فضلكم على سائر الناس من أهل زمانهم بما أنعم به عليهم من إهلاك عدوهم وتنجيتهم هم، واستخلافهم من بعد فرعون وقومه الظالمين، وإنقاذهم مما حل بهم من الذل والهوان.