قوله: (وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا) (درجات) ، منصوب على التمييز - وكذلك تفضيلا 27، وذلك تأكيد على أن التفاوت في الآخرة بين العباد أكبر مما في الدنيا - فمن الناس يوم القيامة من يكون في عليين - ومنهم من يكون أسفل سافلين - حتى أهل الدرجات في الجنة يتفاوتون في منازلهم، فمنهم الأعلون في الفردوس، ومنهم دون ذلك، وإن كانوا جميعا في درجات النعيم - وكذلك أهل الدركات في النار تتفاوت أحوالهم في العذاب بين شديد حارق، أو أشد احترارا وتحريقا - فكلا الفريقين متفاوتون.
قوله: {لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا} المخاطب رسول الله (ص) ، والمراد بذلك أمته؛ أي لا تتخذ أيها المكلف مع الله معبودا آخر فيكون شريكا مع الله (فتقعد مذموما) أي فتصير موضعا للذم والتحقير والإهانة (مخذولا) أي ليس لك ناصر ولا معين - وبذلك يكلك الله إلى الذين عبدتهم مع الله أو من دونه من الآلهة المصطنعة كالأصنام أو الملوك أو الساسة وغيرهم من مختلف الآلهة 28.
قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما (23) واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (24) } .
(وقضى) بمعنى أوجب وألزم، وذلك أمر من الله لعباده المؤمنين بألا يعبدوا سواه، وأن يحسنوا بالوالدين إحسانا.
ووجوه الإحسان للوالدين كثيرة - فمنها: التقدير والتكريم والتعظيم وبالغ التواضع لهما، والاحترام - وفي اقتران الأمر بالإحسان للوالدين بعبادة الله وحده تظهر الأهمية الكبرى لطاعة الوالدين في تصور الإسلام - لا جرم أن تكريمهما وطاعتهما في نظر الإسلام أمر بالغ الدرجة، عظيم الأهمية بما ليس له في الشرائع والملل والأديان نظير - إنه ليس من ديانة ولا نظام ولا فلسفة ولا عقيدة كالإسلام في مبلغ التكريم المميز الذي قرره هذا الدين للوالدين، والأم خصوصا - وعلى هذا فإن عقوق الوالدين أو أحدهما من أفظع المعاصي والكبائر التي تورد العاقين جهنم - وهذه حقيقة تكشف عنها الأخبار المروية عن رسول الله (ص) وتكشف عن مدى الاهتمام الأكبر الذي فرضه الإسلام لكلا الأبوين؛ فقد روى البخاري عن عبد الله قال: سألت النبي (ص) : أي العمل أحب إلى الله عز وجل؟ قال:"الصلاة على وقتها"قال: ثم أي؟ قال:"بر الوالدين"قال: ثم أي؟ قال:"الجهاد في سبيل الله"وبذلك فإن بر الوالدين أفضل الأعمال بعد الصلاة التي هي أعظم الأعمال في دين الإسلام.
وروى الإمام أحمد بسنده عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال:"رغم أنف، ثم رغم أنف، ثم رغم أنف رجل أدرك أحد أبويه أو كلاهما عند الكبر ولم يدخل الجنة".
وروى أحمد أيضا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله (ص) :"رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل عليّ، ورغم أنف رجل دخل عليه شهر رمضان فانسلخ فلم يغفر له، ورغم أنف رجل أدرك عنده أبواه الكبر فلم يدخلاه الجنة".