فهرس الكتاب

الصفحة 1373 من 2536

وروى أحمد كذلك عن مالك بن ربيعة الساعدي قال: فبينما أنا جالس عند رسول الله (ص) إذ جاءه رجل من الأنصار فقال: يا رسول الله هل بقي علي من برّ أبوي شيء بعد موتهما أبرهما به؟ قال:"نعم؛ خصال أربع: الصلاة عليهما والاستغفار لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من قبلهما؛ فهو الذي بقي عليك من برهما بعد موتهما".

وروى البزار في مسنده عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن رجلا كان في الطواف حاملا أمه يطوف بها، فسأله النبي (ص) هل أديتُ حقها؟ قال:"لا، ولا بزفرة واحدة".

ومن البر بالوالدين وعدم عقوقهما ألا يكون الولد سببا يفضي إلى سبهما أو شتمهما - وذلك من جملة التفريط بهما والإساءة الكبيرة لهما؛ فقد روى مسلم عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله (ص) قال:"إن من الكبائر شتم الرجل والديه"قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال:"نعم يسبُّ الرجل أبا الرجل، فيسب أباه، ويسبُ أمه فيسب أمه".

ومن الإحسان إلى الوالدين والبر بهما: ألا ينبغي الجهاد في حق الولد إلا بإذن والديه ما لم يكن الجهاد فرض عين، فإن كان وجوبه على التعيين لزم الخروج للجهاد جميع المسلمين - أما في الوجوب على الكفاية؛ فإنه يلزم استئذان الوالدين للخروج؛ فإن لم يأذنا لم يخرج الولد؛ فطاعتهما واجبة على التعيين - وذلك في مقابلة الجهاد إن كان مفروضا على الكفاية؛ فقد روي في الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: جاء رجل إلى النبي (ص) يستأذنه في الجهاد فقال:"أحيِّ والداك؟"قال: نعم - قال:"ففيهما فجاهد"- وفي غير صحيح مسلم قال: نعم، وتركتهما يبكيان - قال:"اذهب فأضحكهما كما أبكيتهما".

ومن عقوق الوالدين: مخالفتهما فيما يرغبانه؛ فإن من البر موافقتهما في ذلك ما لم يكن معصية - أما ما كان غير معصية فطاعتهما فيه واجبة، وإن كان المأمور به من المباح أو المندوب؛ فقد روى الترمذي عن ابن عمر قال: كانت تحتي امرأة أحبها، وكان أبي يكرهها، فأمرني أن أطلقها فأبيت - فذكرت ذلك للنبي (ص) فقال:"يا عبد الله بن عمر طلق امرأتك"حديث حسن صحيح.

وما ينبغي تخصيص البر بالوالدين بكونهما مسلمين؛ بل إن كانا غير مسلمين فإنه يجب الإحسان إليهما وبرهما وطاعتهما في غير معصية الله - ودليل ذلك قوله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم) وفي صحيح البخاري عن أسماء قالت: قدمت أمي وهي مشركة في عهد قريش ومدتهم؛ إذ عاهدوا النبي (ص) مع أبيها فاستفتيت النبي (ص) فقلت: إن أمي قدمت وهي راغبة أفأصلها؟ قال:"نعم صلي أمك"والمراد بقولها: وهي راغبة؛ أي راغبة في برها وصلتها أو راغبة عن الإسلام 29.

على أن الظاهر من الأخبار عن رسول الله (ص) رجحان الاهتمام بالأم على الأب؛ فقد أوصى النبي (ص) بالأم أعظم مما أوصى بالأب - وذلك لبالغ الجهد والعناء والنصب الذي يواجه الأم في تربية الأولاد - لا جرم أن عناءها لهو أشد من عناء الأب في ذلك، ومن أجل ذلك أوصى النبي (ص) بالأمهات كثيرا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت