بيان إجمالي للسورة
هذه السورة مكية كلها - وهي فيها من تزاحم المعاني الكثيرة المختلفة، وتعدد المواعظ والمشاهد ما يستديم اليقظة في النفس، والرهافة في المشاعر والحس - هذه السورة تعرض لسمات المؤمنين المفلحين الذين يفوزون بالنجاة ثم يصارون إلى نعيم الفردوس - جعلنا الله في زمرتهم.
وفي السورة بيان مجمل لمراحل الحياة الإنسانية وتطورها المنتظم العجيب بدءا بالنطفة من ماء مهين حتى الاكتساء باللحم، والإنشاء خلقا آخر بإشاعة الروح في الجنين ثم خروجه إلى الدنيا إلى أجل مسمى، ثم عودته إلى الممات ومخالطة التراب ليبعث يوم القيامة من جديد.
وفي السورة ذكر مقتضب لفريق من النبيين المرسلين وما لاقوه من معاندة الكافرين وطغيانهم وهم نوح وهود وصالح وموسى وهارون - أولئك المقربون الأطهار الذين أوذوا في الله من أممهم الضالة المتمردة فانتقم الله منهم في هذه الدنيا توطئة للعذاب البئيس المستديم في الآخرة.
وفي السورة من أهوال الموت وفظائع القيامة ما يقرع الحس والوجدان، ويستنفر في القلب دوام الخشية والوجل - إلى غير ذلك من العبر المختلفة وعظائم الأخبار عن أحوال البشرية في الدنيا والآخرة.
بسم الله الرحمن الرحيم
{قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم خاشعون (2) والذين هم عن اللغو معرضون (3) والذين هم للزكاة فاعلون (4) والذين هم لفروجهم حافظون (5) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (6) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (7) والذين هم لأمانتهم وعهدهم راعون (8) والذين هم على صلواتهم يحافظون (9) أولئك هم الوارثون (10) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (11) } .
روى الإمام أحمد بسنده عن عمر بن الخطاب قال: إذا نزل على رسول الله (ص) الوحي يُسمع عند وجهه كدوي النحل، فلبثنا ساعة فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال:"اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وأرضنا"ثم قال:"لقد أنزل علي عشر آيات من أقامهن دخل الجنة"ثم قرأ (قد أفلح المؤمنون) حتى ختم العشر 1 - لقد فاز المؤمنون وسعدوا بما أعده الله لهم من حسن الجزاء في الدار الآخرة؛ إذ النعيم المقيم والقرار الكريم المستديم.
والمؤمنون متصفون بصفات شتى جديرة بالاهتمام والبيان - وهي أوصاف مستفيضة ذكرتها الآيات هنا.
وذلك قوله: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} أي خائفون ساكنون مطمئنون، والخشوع محله القلب - فشأن المؤمن أن يكون موصول القلب بالله، وأن يكون واثقا مستيقنا من جلال الله وعظيم سلطانه وجبروته - لا جرم أن قلب المؤمن دائم الخوف من الله لتخشع بذلك جوارحه فلا تدنسها المعاصي والآثام؛ بل تجنح للطاعات والعبادات وفعل الصالحات.