قوله: (والله يعلم ما تبدون وما تكتمون) ذلك وعيد من الله للذين يدخلون الأماكن الخالية والمواضع المريبة من أهل الريبة والسوء - فإن الله عليم بحالهم سواء فيهم الظاهر والباطن - فهو سبحانه مجازيهم عما كسبته أيديهم من المحظورات والفواحش 39.
قوله تعالى: {قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (30) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن أو بني إخوانهن أو بني أخواتهن أو نسائهن أو ما ملكت أيمانهن أو التابعين غير أولى الإربة من الرجال أو الطفل الذين لم يظهروا على عورات النساء ولا يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنين لعلكم تفلحون (31) } .
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بأن يكفوا أبصارهم عما حُرم النظر إليه فلا ينظروا إلا إلى ما أبيح النظر إليه.
ومن الحقائق البديهية أن البصر لهو أعظم سبيل يفضي إلى تحريك النفس من الداخل - فما تفتأ النفس ساكنة راقدة هادئة غير مفتونة حتى تؤزها فتنة الجسد المنظور - وطريق ذلك وسببه البصر - فإنه ينقل بوساطة الأعصاب الموصولة بالداخل، حقيقة المنظر المؤثر لتفتتن به النفس وتميد - فلا جرم أن يكون الكف من البصر عن النظر إلى المحرمات سببا عظيما في انتفاء الفتنة أو التخفيف من شدتها وغلوائها.
ومن هنا يأتي تحريم النظر إلى النساء الأجنبيات لمجرد التلذذ والشهوة - وفي ذلك جاء في الصحيح عن أبي سعيد قال: قال رسول الله (ص) :"إياكم والجلوس على الطرقات"قالوا: يا رسول الله لا بد لنا من مجالسنا نتحدث فيها - فقال رسول الله (ص) :"إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه"قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال:"غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"- فقد أمر بغض البصر من غير لزوم ولا حاجة تدعو للنظر إلا التلذذ والتشهي - فإن مثل هذا النظر مدعاة لتحريك الشهوة والافتتان من الداخل مع ما يصحب ذلك من تلهف القلب وشدة انشغاله، ومن اضطراب الأعصاب وبالغ احترارها، وفي هذه الغمرة من الفتنة تغيب عن النفس نعمة الراحة والسكون فتظل مفتتنة مشبوبة، فضلا عما يفضي إليه ذلك من الرغبة اللحاحة في قضاء الوطر الأخير وهو الزنا.
وفي الصحيح عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ص) :"كتب على بن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة؛ فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، وزنا الأذنين الاستماع، وزنا اليدين البطش وزنا الرجلين الخطى - والنفس تمنى وتشتهي - والفرج يصدق ذلك أو يكذبه".
ولقد كان كثير من علماء السلف ينهون عن إدامة النظر إلى الأمرد لاحتمال الفتنة والغواية - فما ينبغي للمؤمن أن يديم النظر لوجه الأمرد دون حاجة، دفعا للشيطان أن ينفخ في عروق الناظر فيحرك فيه كوامن الغريزة المستنيمة.