فهرس الكتاب

الصفحة 501 من 2536

وأما الشهداء فمردها شهيد وهو من الشهادة بمعنى الحضور - وثمة أقوال في سبب التسمية بالشهيد - فقد قيل إن الملائكة تشهد مقتله؛ إذ يصاب في المعركة أو غيرها - وقيل إن هذا القتيل لا يموت بل يظل حيا حاضرا على نحو لا نعلمه نحن - وفي قول آخر بأنه سمي بذلك لوقوعه على الشاهدة وهي الأرض وذلك حال إصابته ثم سقوطه عليها.

قوله: (وحسن أولئك رفيقا) الرفيق من الرفق وهو اللين - واسم الإشارة (أولئك) يعود على النبيين والصدّيقين والشهداء - وقد حسن كل واحد من هؤلاء المذكورين رفيقا فنعمت الصحبة والرفقة مع هؤلاء الأطهار الأبرار - أنها الصحبة المثالية الفضلى يترافق من خلالها المؤمنون المحظوظون مع هذه الفئة المكرمة الممتازة - الفئة التي بلغت من علو الدرجة وعطاء الرحمن ما لم تبلغه بقية البشر - لا جرم أن هؤلاء هم خير البرية ويسعد برفقتهم من كتبت له السعادة في الجنة مع هؤلاء الميامين.

وقوله (رفيقا) منصوب على التمييز - وقيل: منصوب على الحال.

وقوله: (ذلك الفضل من الله) اسم الإشارة (ذلك) يعود على الرفقة التي كتبها الله للمؤمنين الطائعين الذي يحظون بصحبة النبيين والصدّيقين والشهداء في الجنة - فذلك هو الفضل ولا ريب، وهو المنة وجزيل العطاء يؤتاه المؤمنون الطائعون ليعيشوا في نعيم دائم مقيم في خير صحبة وأكرم مثوى.

قوله: (وكفى بالله عليما) الله جلّت قدرته أعلم حيث يجعل هدايته وتوفيقه وكفى به سبحانه أن يحيط بكل شيء في الكون والوجود جميعا فلا يند عن علمه وإحاطته شيء 109.

قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) .

ذلك توجيه من الله لعباده المؤمنين أن يأخذوا حذرهم عند لقاء العدوّ في المعركة حيث الصراع والتقحم الشديدان في حين يشتد فيه القتال المحتدم - وهو حين يستلزم مزيدا من الحرص والعناية الفائقين ومزيدا من التنبيه لمكائد العدوّ كيلا يأخذهم على غرّة فينال منهم نيلا فادحا.

إن الله سبحانه يأمر المؤمنين أن يكونوا على غاية اليقظة والحيطة وأن لا يلهيهم شيء عن المعركة والإعداد لها - وإذا لم يكن المسلمون على هذا النحو من الحذر والانتباه فلسوف يميل العدو عليهم ميلة واحدة ليقوّضهم تقويضا ويدمرهم تدميرا لا رحمة فيه، علما بأن العدو دائم التربص بالمسلمين ليحس منهم جانب ضعف أو ثغرة أو يدرك فيهم شيئا من غفلة أو لهو فيبادرهم الضرب الصارم القاصم - مع أن المؤمن الحقيقي لا يكون مغفلا أو لاهيا ولا هو بالمتطيش الأرعن أو المختال في خفة وغرور - فتلك حماقة هوجاء يستعلي عليها المؤمن استعلاء - لا ينبغي أن يأخذ المسلمين العجز والتثاقل أو يعميهم اللهو والغفلة وقد علموا أن أعداءهم كثيرون يريدون أن يصطلموهم اصطلاما وليستأصلوا الإسلام من الأرض استئصالا - وهذه حقيقة ماثلة للعيان ما كان ينبغي أن تغيب عن أذهان المسلمين ولو برهة من زمان.

قوله: (فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) انفروا من النفور أو النفر أو النفار وهو الإسراع للقتال 110 - وثُبات مفردها ثبة وهي الجماعة أو العصابة من الناس - والثبات يعني الجماعات المتفرقة - وأصلها من: ثبت الشيء أي جمعته - وجميعا، أي مجتمعين 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت