قوله: (فإنها من تقوى القلوب) الضمير عائد على الشعائر؛ أي أن تعظيم هذه الشعائر من التقوى الذي تفيض به القلوب - ذلك أن القلوب مستقر التقوى وهو الخوف والخشية من الله - وفي الحديث الصحيح:"التقوى ههنا"وأشار إلى صدره.
قوله: (لكم فيها منافع) أي في الشعائر على عموم المراد بها، وعلى الخصوص، البدن، فإن فيها للناس منافع كالتجارة والركوب والدر والنسل والأكل وغير ذلك.
قوله: (إلى اجل مسمى) وهو أن تسمى هديا بعد أن كنتم تملكونها - أي تنتفعون من ركوبها ودرها ونسلها وصوفها ولحمها ما لم تبعثوها هديا - فإن بعثتموها هديا ذهب ذلك كله، وذلك الأجل المسمى - وقيل: الأجل المسمى معناه نحرها - فينتفع بها ما لم تنحر، ونحرها أجلها.
قوله: (ثم محلها إلى البيت العتيق) المراد بالبيت العتيق الحرم كله - وقيل: الكعبة - والضمير في (محلها) يعود إلى (شعائر الله) - وتأويل الآية يختلف باختلاف تأويل الشعائر - فالقائلون إن المراد بالشعائر هنا البدن، قالوا: محلها أن تبلغ البيت العتيق وهو الحرم.
والقائلون: المراد بالشعائر مناسك الحج من عرفة ومزدلفة وطواف وسعي ورمي قالوا: محلكم من مناسك حجكم، على الكعبة، فتطوفون بها يوم النحر طواف الإفاضة بعد قضاء ما عليكم من واجبات.
وقيل: محل منافع أيام الحج البيت العتيق بانقضاء تلك الأيام 46.
قوله تعالى: {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) } المراد بالأمة هنا، القوم المجتمعون على دين سماوي واحد؛ فقد جعل الله لكل أمة ذات دين ورسالة سماوية (منسكا) والمنسك، بالفتح الذبح وإراقة الدم - وسميت الذبيحة نسيكة، وجمعها نسك ونسائك - وقيل: المنسك الموضع الذي تذبح فيه النسك 47، وقيل: النسك معناه العيد.
والقول الأول أظهر وهو الذبح وإراقة الدم؛ لدلالة السياق عليه وهو قوله سبحانه: (ليذكروا اسم الله على ما رزقكم من بهيمة الأنعام) أي يذكروا اسم الله دون غيره من الأسماء على ما رزقهم من الذبح - سواء في ذلك الهدي أو الأضحية - وبذلك إنما ينبغي في الذبيحة أن تكون خالصة لله سبحانه.
قوله: (فإلهكم إله واحد) أي معبودكم واحد لا شريك له - ودينكم أصله التوحيد الخالص لله، المبرأ من كل وجوه الشرك والوثنية وإن تنوعت شرائعكم ونسخ بعضها بعضا لكنكم جميعا تدعون إلى عبادة الله الواحد (فله أسلموا) أي استسلموا لأمره وجلاله، وانقادوا لشرعه خاضعين مذعنين مخلصين (وبشر المخبتين) أي الخاشعين الطائعين المتواضعين - ومن الخبت والإخبات - وهو الخشوع والتواضع 48 أي بشرهم بأحسن الجزاء أو أجزل الثواب.