قوله: {فَالْيَوْمَ لا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلا ضَرًّا} ذلك تيئيس للمشركين الذين عبدوا الملائكة أو غيرهم من الأنداد؛ فإنهم يوم القيامة لا منجاة لهم من العذاب وسوء المصير، وفي هذه الآية يقول الله للملائكة يوم القيامة: اليوم لا ينفعكم الذين كانوا يعبدونكم من المشركين ولا يضرونكم ولا أنتم تملكون لهم أيما نفع أو ضر - فقد فات وقت العمل، وإنما اليوم حساب ولا عمل {وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} يقول الله للمشركين الذين ظلموا أنفسهم بعبادتهم غير الله واتخاذهم أندادا وشركاء من دون الله {ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ} يقال لهم ذلك على سبيل التقريع والتعنيف، وزيادة في التنكيل والتعذيب 41
43 - (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلا سِحْرٌ مُبِينٌ)
قوله تعالى: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ (43) وَمَا آَتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (44) وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آَتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ} .
ذلك إخبار من الله عن ظلم الكافرين المكذبين وعن شدة جحودهم وعنادهم؛ إذ كانوا إذا تنزل عليهم القرآن يبادرون بالتكذيب، لا يسعفهم في ذلك دليل ولا حجة إلا المكابرة والعناد، وهو قوله: {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ} يعني: إذا تليت عليهم آيات القرآن واضحة جلية من لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بادروا بالتكذيب والمعاندة فقالوا: ليس محمد إلا رجلا يريد أن يُضلكم عن دين الآباء والأجداد، أو يصدكم عن عبادة آلهتكم المصنوعة التي كان أسلافكم من المشركين الضالين يعبدونها {وَقَالُوا مَا هَذَا إِلاَّ إِفْكٌ مُفْتَرًى} يعنون بذلك القرآن الكريم، والإفك المفترى يعني الكذب المختلق 42 أي ما هذا القرآن إلا كذب اختلقه محمد، والله يعلم أنهم موقنون في قلوبهم بصدق هذا القرآن العظيم وأنه كلام الله الحكيم وأنه ليس من صنع بشر، بل إنه يفوق طاقة البشر، لكنه العناد والمكابرة وشدة الغيظ والحسد قد حملهم على تلفيق مقالة التكذيب.
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ} المراد بالحق القرآن، فلقد افترى عليه المشركون كذبا فظيعا؛ إذ قالوا: ما هذا القرآن يا محمد إلا سحر مبين؛ أي ظاهر - وهذه كذبة شنيعة ومكشوفة يهذي بها المشركون المعاندون ولقد كانوا فيما بينهم يتسارّون بأن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق لا يكذب؛ وأن ما أنزل عليه من آيات قد خَلَبَ فيهم العقول وبَهَرَ فيهم الأذهان والجَنَان، وهم في هذه الغمرة من الحيرة والعجب والدهش يقولون مستنفرين مكابرين: إنه سحر ظاهر.