قوله: {فيه رجال يحبون أن تطهروا} نزلت هذه الآية في أهل قباء؛ فقد كانوا حرصاء على التطهر وما يقتضيه ذلك من حصول النظافة؛ إذ كانوا يستنجون بالماء - لا جرم أن الإسلام يدعو إلى النظافة ليكون المسلمون نظفاء في أبدانهم وكل أجسادهم، فضلا عن نظافة قلوبهم وسلامة مقاصدهم وما يكنونه للناس من خير ورحمة، وما يبتغونه للبشرية في كل زمان ومكان من بر وأمن وهداية - أما الثناء على أهل قباء من أجل حرصهم على النظافة والتطهير؛ ففيه روي الطبراني عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية {فيه رجال يحبون أن يتطهروا} بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هويم بن ساعدة فقال: (ما هذا الطهور الذي أثنى الله عليكم) فقال: يا رسول الله ما خرج من رجل ولا امرأة من الغائط إلا غسل فرجه، أو قال: مقعدته - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (وهو هذا) وفي رواية لعويم بن ساعدة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له: (م هذا الذي أثنى الله عليكم) قالوا يا رسول الله إنا نغسل الأدبار بالماء.
قوله: {والله يحب المطهرين} المطهرون يحظون بمحبة الله لهم - ومن مقتضيات محبة الله للذين يحبهم أن يرضى عنهم ويعظم ثوابهم 201.
قوله تعالى: {أفمن أسس بنيانه على تقوى من الله ورضوان خير أم من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في جهنم والله لا يهدي القوم الظالمين 109 لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم والله عليم حكيم} .
الهمز للاستفهام الإنكاري - والفاء للعطف - وأسس؛ أي وضع الأساس، وهو أصل البناء وقاعدته التي يقوم عليها - أو هو أصل كل شيء 202 - والبنيان، مصدر كالغفران، فالله عز وعلا يبين في هذه الآية التفريق بين المسجدين وانتفاء المساواة بينهما - وعلى هذا لا يستوي من أسس بنيانه على تقوى من الله {ورضوان} أي طاعته سبحانه، ومن بنى مسجدا ضرارا يريد به أن يفرق بين المسلمين فيثير فيهم الفتنة والفرقة والفوضى - إن هذين لا يستويان، فأولهما سبيله الهداية والحق، وكلاهما يفضي إلى الجنة - وأما الآخر: فسبيله الضلال والباطل، وكلاهما يفضي إلى جهنم والعياذ بالله، فأي الفريقين خير؟ هل هو المؤمن التقي الطائع لربه، أم هذا المنافق المتربص الخبيث؟ هذا الذي أسس بنيانه وهو مسجد الضرار {على شفا جرف هار} - أما قوله: {خير} فلا يفيد الشركة بين لاالمسجدين ولا بين مؤسس هذا وذاك في خير إلا على معتقد باني مسجد الضرار - فيحسب ذلك المعتقد صح التفضيل 203.
قوله: {على شفا جرف هار} الشفا، الطرف - والجرف بضمتين، معناه البئر، أو الهوة وما يجرفه السيل من الأدوية لجرف الماء له 204 - وهار، أي متصدع مشرف على السقوط - وأصله هاير وهارر 205.