فهرس الكتاب

الصفحة 1467 من 2536

هؤلاء المصطفون الأخيار، والصالحون الأبرار كانوا أهل خشوع وورع وإنابة وهم لفرط خشيتهم لله وتعلق قلوبهم بجلاله العظيم، إذ تتلى عليهم آيات من كتاب الله يسقطون ساجدين باكين مستذكرين عظمة الرحمن في نفوسهم، وخاشعين مما يجدونه في آيات الله من ساطع الأدلة وظاهر البراهين.

وإذا ذكر الخشوع بسبب التلاوة لآيات الله ذكرنا آيات القرآن المجيد - هذا الكتاب المتفرد في طابعه وأسلوبه وطريقة نظمه للعبارات والكلمات وما يجلله من روعة الإيقاع وحلاوة النغم، لا جرم أنه في غاية الجمال والجلال؛ إذ ينفذ إلى القلوب والأذهان ليفيض عليها من شآبيب النداوة والحلاوة ما يثير فيها مزيجا عجيبا من الإحساس بالحبور والورع والبهر والذعر 30.

قوله تعالى: {فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (59) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (60) جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (61) لا يسمعون فيها لغوا ولا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (62) تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (63) } بعد أن ذكر الأبرار من نبيين وصديقين وصالحين، شرع في ذكر صنف آخر من الناس جاءوا عقب أولئك الأولين الأبرار - لكن هؤلاء صنف مغاير من الأشقياء والخاسرين الذين باءوا بالهلاك وسوء المصير في الآخرة - وهم المراد بهم في قوله (فخلف من بعدهم خلف) والخلف بسكون اللام وهم القرن بعد القرن - يقال: هؤلاء خلف سوء 31 فقد (أضاعوا الصلاة) واختلفوا في المراد بإضاعة الصلاة في الآية - فقد قيل: المراد إضاعة أوقاتها وعدم القيام بحقوقها من تمام الأداء والخشوع - وقيل: المراد بإضاعتها، تركها بالكلية - وهذا أنسب للسياق؛ فإن الآية تتضمن تعريضا بصنف فاسق مغاير للمؤمنين السابقين فهم جيل التفريط من الأمم الغافلة على مرّ الزمن، والتي أدبرت عن طاعة الله وجمحت في ابتغاء الشهوات جموح الخاسرين الشاردين عن الهدى والرشاد - ولا يضيّع الصلاة ويبتغي الشهوات بكل سبب أو وسيلة محظورة أو مشروعة إلا الخاسرون الهلكى الذين آثروا الدنيا على الآخرة واستعاضوا عن الطاعات بالشهوات على اختلاف صورها وضروبها.

قوله: (فسوف يلقون غيا) الغي معناه الخيبة والخسران - وقيل: واد في جهنم يصير إليه الغاوون الخاسرون الذين ضيعوا الصلاة واتبعوا الشهوات - وهذا تعزيز للقول بأن المراد بتضييع الصلاة هو تركها كليا.

قوله: (إلا من تاب وآمن وعمل صالحا) استثنى التائبين عن تضييع الصلاة واتباع الشهوات؛ فإنهم إن آمنوا وصدقوا وتابوا إلى ربهم وعملوا الصالحات؛ فهؤلاء صائرون إلى الجنة (ولا يظلمون شيئا) أي لا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئا بل يضاعف لهم الجزاء أضعافا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت