فهرس الكتاب

الصفحة 821 من 2536

قوله: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها} هذا تفضل من الله ورحمة غامرة يفيض بها الله على عباده المؤمنين، إذ يجازيهم في مقابل الطاعة أضعافا كثيرة ولا يجازيهم في مقابل المعصية إلا بمثلها فمن فعل حسنة جوزي عشرة أضعافها، ومن فعل سيئة فإنما يجزى من الجزاء بمثل ما أساء - والله سبحانه لا يظلم أحدا من الفريقين وهم فريق الإحسان وفريق الإساءة - فإن الله يجازي كل واحد منهم جزاءه الذي يستحقه - وذلك تأويل قوله: {وهم لا يظلمون} بل إن الله يضاعف للمحسنين أجورهم أضعافا كثيرة ويغفر للمسيئين إن تابوا، بل إنه يبدل سيئاتهم حسنات - والله سبحانه إنما يجازي على النية، وهي مناط المسؤولية والحساب - فمن هم أن يفعل خيرا ولم يفعله جوزي بمثله حسنة، وإن هم بفعل سيئة ولم يفعلها لم تكتب له شيئا - وقيل: يجزى مقابل الكف عنها حسنة - وفي ذلك روى الإمام أحمد عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يروى عن ربه تبارك وتعالى:"إن ربكم عز وجل رحيم، من هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة فإن عملها كتبت له واحدة أو يمحوها الله عز وجل ولا يهلك إلا هالك".

وروى الإمام أبو يعلى بإسناده عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من هم بحسنة كتب الله له حسنة فإن عملها كتبت له عشرا، ومن هم بسيئة لم تكتب عليه حتى يعملها فإن عملها كتبت عليه سيئة فإن تركها كتبت له حسنة يقول الله تعالى: إنما تركها من مخافتي"216.

قوله تعالى: {قل إنني هدني ربي إلى صرط مستقيم دينا قيما ملة إبرهيم حنيفا وما كان من المشركين (161) قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العلمين (162) لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين} .

بعد الحديث عن المفرقين دينهم والذين افترقوا طوائف وأحزابا يأمر الله نبيه أن يعلنها صريحة للناس في غير إبطاء ولا مجاملة {إنني هدني ربي إلى صرط مستقيم} أي أرشدني ربي بما أوحاه إلي من كتاب منير - إلى صراطه الحق المستقيم وهو الإسلام {دينا قيما} دينا منصوب مفعول هداني - أي هداني دينا - وقيما بكسر القاف وفتح الياء والمخففة صفة لقوله: {دينا} 217 ومعناه المستقيم الذي لا عوج فيه.

قوله: {ملة إبرهيم حنيفا} ملة، منصوب بتقدير (أعني) وقيل: عطف بيان وحنيفا منصوب على الحال من إبراهيم - والحنيف هو الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه 218 أو هو المائل عن الباطل بكل أشكاله وصوره وألوانه ومخلصا لله وحده بكامل الخضوع والامتثال والطاعة.

قوله: {وما كان من المشركين} في محل نصب معطوف على {حنيفا} وذلك تقرير وتأكيد للحنفية الحقيقية التي كان عليها إبراهيم - وفي تقرير هذه الحقيقة الراسخة ما يدحض مقالات أهل الكتاب الذين يزعمون افتراء أنهم على دين إبراهيم - لا جرم أن هذا اختلاف وزور - فإن إبراهيم عليه السلام كان مخبتا لله بكامل الامتثال والطاعة، مبرأ من إشراك أهل الكتاب وضلالاتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت