يأمر الله المؤمنين أن ينفروا لقتال العدو على الهيئة التي يرونها مناسبة ومثلما تقتضيه حال المعركة - فإما أن يخرجوا جماعة بعد جماعة أو كتيبة بعد كتيبة، وإما أن يخرجوا مجتمعين بغير تخلف - وذلك أمر يقرره التخطيط للحرب من ذوي الاختصاص من العسكريين أولي الخبرة في القتال - فأولئك يضطلعون بمهام التخطيط للمعركة في حذر ودهاء وبراعة من أجل أن يتحقق لهم النصر وتقهقر قوى الشر والعدوان.
قوله: (وإن منكم لمن ليبطئن) المقصود بذلك المنافقون - وقيل عبد الله بن أبي بن سلول زعيم المنافقين في المدينة - وعلى العموم فالمنافقون هم المراد في الآية ذلك أنهم يبطئون - وقوله: (لمن ليبطئن) اللام الأولى لام الابتداء - واللام الثانية واقعة في جواب القسم - والاسم (من) في قوله (لمن) اسم موصول في محل نصب اسم إن - وقوله (ليبطئن) من الإبطاء أو التباطؤ - ومعناه التثاقل والتخلف عن المعركة 112 - فالمنافقون كانوا يتباطأون في أنفسهم عن الخروج للمعركة ثم يبطئون غيرهم كذلك - وتلك خسيسة من خسائس المنافقين المنهزمين الذين يكيدون للإسلام في الظلام فيأتمرون عليه بالدس والتخويف والإرجاف.
وقوله: (فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا) يبين الله حال المنافقين ويكشف عما يختلج في صدورهم من سوء النوايا وخبيث المكنون فهم دائما في أرجحة كيلا يكونوا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء وكيلا يكونوا على طريق مستقيم مكشوف من غير تردد أو تذبذب تفرضه المصلحة الخاصة أو الهوى المتلجلج الفاسد.
والمنافقون تنطق ألسنتهم بما تخفيه قلوبهم من ارتياح وحبور إذا ما مُني المسلمون بمصيبة القتل أو التراجع في المعركة ويفرح أحدهم (المنافقون) إذ لم يكن مع المسلمين في الجهاد؛ كيلا يكون نصيبه الموت - وقوله (شهيدا) لهو ذو إيحاء يؤتي مدلولا حول انسلاخ المنافقين من ربقة الإيمان وهم يغتبطون تمام الغبطة أنهم لم يكونوا مع الشهداء - مع أن الشهادة مطلب عظيم يتمناه المؤمن ويلح في دعائه إلى الله كلما ذكره من أجل أن يكتب له هذا الشرف (الشهادة) كيما يحتسب في سجل الأبرار والأخيار في عليين أو ينال عظيم الحظوة الرفيعة من الفردوس من الجنة - لكن المنافقين يعيشون في سرور مع أنفسهم ويتهامسون فيما بينهم بأنهم نجوا من خطر الشهادة وأخلدوا إلى الأرض في عيش مهين رخيص يحفه الكذب والخسّة والتدسس والخداع.
قوله: (ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة -.) وذلك كشف آخر لحقيقة المنافقين فيما تنطوي عليه أفئدتهم من خواء العقيدة، وهم يترقبون نتيجة المعركة بين المؤمنين والمشركين - فإذا ما كتب للمسلمين فضل من الله كأن يكون ذلك نصرا أو غنيمة حزن المنافقون وجهدتهم الندامة؛ إذ لم يكونوا مع المسلمين في الجهاد يكون لهم نصيب في الغنيمة.