فهرس الكتاب
قوله: {وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ} خزنة جهنم: هم الملائكة الموكلون بعذاب الكافرين والعصاة - والمعنى: أن أهل النار من الخاسرين المعذبين يصطرخون جميعا وهم في النار؛ إذ ينادون الخزنة القائمين على النار مستغيثين أن اسألوا الله أن يكف عنا عذاب جهنم ولو يوما واحدا.
ثم تجيبهم ملائكة النار الخزنة {أَوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ} استفهام توبيخ وتعنيف وإلزام للحجة وإشعار بعدم الجدوى من التذلل والندامة؛ فقد مضى وقت التضرع والدعاء؛ إذ كانت الدنيا زمانا لذلك فهي دار اختبار وابتلاء وعمل وتبليغ؛ فقد بعث الله فيهم رسله يبلغونهم دعوته وينذرونهم لقاء يومهم هذا فأعرضوا وجحدوا واستكبروا فإذا نقضت الحياة الدنيا ووقعت الواقعة فحينئذ لا ينفع العمل أو الدعاء ولا تجدي الضراعة والتوبة.
قوله: {قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا} أقروا بتفريطهم وخطيئتهم؛ إذ جحدوا نبوة المرسلين وكذبوا بما جاءوهم به - فقالت لهم الملائكة على سبيل التهكم والتيئيس زيادة في التنكيل بهم {فَادْعُوا} أي ادعوا أنتم أن يخفف عنكم شيئا من العذاب فإن لا نجترئ على مثل هذا الدعاء {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلاَّ فِي ضَلالٍ} لا يستجاب للكافرين في النار دعاء - وأيما دعاء لهم حينئذ إنما هو ضرب من اليأس والعبث وهو صائر إلى البطلان والخيبة 24.
قوله تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) } .
ذلك إخبار من الله ووعد صِدْق، ووعدُهُ حق ولن يخلف الله وعده؛ فإنه جل وعلا ينصر عباده المرسلين الذين أرسلهم للناس هداةً منذرين، وينصر الذين آمنوا معهم من عباده الطيبين المتقين - ينصرهم الله جميعا في الدنيا؛ إذ يجعل لهم الغلبة والاستعلاء والهيمنة - أو يكتب الله لدينه الظهور والشيوع والانتشار - وذلك نصر من الله، إذ يوفق الله عباده للإقبال على دينه الحق - الدين المبرأ من الشرك والزيف والضلال - وهو الذي بني على التوحيد وإفراد الله وحده بالإلهية والربوبية والحاكمية والإذعان لجلاله بالخضوع والاستسلام، وذلكم هو الإسلام الذي اجتمعت على أركانه وقواعده الثوابت كلمة النبيين والمرسلين جميعا - أولئك الذين اجتمعوا على التوحيد وعبادة الله وحده دون غيره من الأرباب والأوثان والأنداد على اختلاف صورها ومسمياتها.
فإذا كتب الله لدينه الظهور والشيوع والانتشار فلا جرم أن يكون ذلك نصرا عظيما من الله كتبه لرسله والذين آمنوا معهم، وذلك في الحياة الدنيا، سواء كان هذا النصر في حياتهم أو عقب مماتهم وغيابهم عن هذه الدنيا - وبذلك لا ينبغي أن يقال: إن بعض النبيين عليهم الصلاة والسلام قتله قومه كيحيى وزكريا وشعيبا.