فهرس الكتاب

الصفحة 1322 من 2536

قوله: (ليكفروا بما آتيناهم) اللام لام كي؛ أي أشركوا بالله غيره من الآلهة المصطنعة، وذلك في كشف ما أصابهم من ضر - وغرضهم من هذا الإشراك: أن يجحدوا كون ذلك الإنعام من الله تعالى - كالذي يشتد وجعه فيتضرع إلى الله لإزالة ما أصابه من وجع، فإذا زال وجعه، أحال زواله على الدواء الفلاني أو العلاج الفلاني - وفي الحقيقة أن المزيل لوجعه هو الله - وقيل: اللام لام العاقبة - والمعنى: أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر.

قوله: (فتمتعوا فسوف تعلمون) : أمر وعيد وتهديد؛ أي تمتعوا في حياتكم ما شئتم، فإنكم صائرون لا محالة إلى الموت، وسوف تعلمون عاقبة ذلك مما ينزل بكم من العذاب 56.

قوله تعالى: {ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (56) ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (57) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (58) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (59) للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى وهو العزيز الحكيم (60) } الضمير في قوله: (لما يعلمون) ، يعود إلى الأصنام؛ التي لا تعلم شيئا عما يفعله من يعبدها - والمعنى: أن المشركين جعلوا لآلهتهم- أي: الأصنام، -التي لا تعلم شيئا- نصيبا من الحرث والأنعام - وذلك ضرب من سفاهة الجاهلين وضلالاتهم؛ إذ يجعلون لما لا يسمع ولا يبصر ولا يعقل، جزاء من أموالهم ويقولون هذا لشركائنا - فأقسم الله بجلاله العظيم أنهم مسؤولون عما افتروه من الكذب والباطل - وهو قوله: (تالله لتسألن عما كنتم تفترون) ، وذلك تهديد شديد من الله لهؤلاء الضالين الأفاكين - وهو سؤال توبيخ وتهديد يكون عند الموت - وقيل: عند عذاب القبر - وقيل: في الآخرة، فيكون التقريع والتوبيخ أشد وأنكى.

قوله: {ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون} (سبحانه) ، اعتراض بين المعطوف والمعطوف عليه - وما، في موضع رفع على الابتداء، وخبره (لهم) مقدم 57.

لقد كانت بعض قبائل العرب تقول: الملائكة بنات الله - لا جرم أن هذه المقالة غاية الضلال والباطل - ولذلك قال: (سبحانه) ، وهذا تعجيب من جهلهم القبيح الفاضح، وهو وصفهم الملائكة المقربين بالأنوثة، فضلا عن تنزيه الله لذاته عن نسبة الولد إليه - وهو عز وعلا المنزه عن نقائص المخلوقين وضعفهم.

قوله: (ولهم ما يشتهون) ، وهم البنون؛ فقد كان العرب تفيض نفوسهم رغبة في الذكور، وفي مقابل ذلك تفيض عيافة للإناث - لقد كانوا يعافون البنات ويكرهون ولادتهن ومقدمهن - كانوا لفرط سفههم وضلال عقولهم وشدة ظلمهم يبتئسون أشد الابتئاس، ويستشعرون في أنفسهم بالغ الجراحة إذا ما رزقوا البنات.

هكذا كان الجاهليون العرب يتصورون - وهو تصور خاطئ وظالم وأثيم، يراود أذهانا خالطها الفساد والمرض في مجتمع جاهلي ظلوم.

أما ميزان الإسلام فيما توزن به اعتبارات الناس ومقاديرهم، فإنها هي العقيدة الكريمة السمحة - العقيدة التي بنيت على الإيمان بالله وإفراده بالإلهية دون غيره من المخاليق - يضاف إلى ذلك مزية العلم؛ فإنه في ميزان الإسلام عظيم القدر، بالغ الأهمية، ويعزز هذه الحقيقة من اعتبار الإيمان والعلم قوله تعالى: (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت