فهرس الكتاب
قوله: (لنحيي به بلدة ميتا) أي أنزل الله المطر من السماء على الأرض ليجعلها عامرة بالنبات، وذلك هو إحياؤها بعد أن كانت هامدة قفرا مواتا لا حياة فيها ولا نبات - وقد ذكر ميتا على معنى البلد - فالبلدة بمعنى البلدة أو المكان.
قوله: (ونسقيه مما خلقنا أنعاما وأناسي كثيرا) أي يسقي الله الماء الأنعام والناس - وأناسي، جمع إنسان - والأصل: إنسان وأناسين، فأبدلت النون ياء وأدغم فيها الياء قبلها - وهو قول سيبويه - وقيل: جمع إنسي - وفيه نظر 34 وقد نكرت الأنعام والأناسي؛ لأن عِلية الناس وجلّهم منيخون بالأودية والأنهار فيهم غنية عن سقي الماء - أما أعقابهم- وهم كثير منهم- إنما يعيشون بما ينزل الله من السماء من مطر - وهو قول الزمخشري وذلك من فضل الله على الناس ورحمته بالخلق؛ إذ أنزل عليهم القطر من السماء ليستقوا ولتنبت لهم الأرض من خيراتها مما أنعم الله به وقدّره تقديرا.
قوله: (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا) الهاء، على الماء؛ أي صرفناه بين العباد في مختلف البلدان والأزمان، وعلى اختلاف الكيفيات والصفات المتفاوتة من وابل زاخر هاطل، وطل خفيف نازل، أو رذاذ غامر منتشر - وغير ذلك من وجوه الإمطار.
قال ابن كثير رحمه الله في هذا المعنى: أي أمطرنا هذه الأرض دون هذه، وسقنا السحاب يمر على الأرض ويتعداها ويتجاوزها إلى الأرض فيمطرها ويكفيها ويجعلها غدقا والتي وراءها لم ينزل فيها قطرة من ماء.
وقيل: الهاء عائدة على القرآن - والقول الأول أظهر، لما يدل عليه السياق.
قوله: (فأبى أكثر الناس إلا كفورا) أكثر الناس لم يتعظوا ولم ينتفعوا بهذه الظواهر الكونية العجيبة التي تشهد على قدرة الصانع الحكيم؛ بل جحدوا ذلك وعتوا ولجوا في غفلتهم وضلالهم منتكسين ظالمين خاسرين 35.
قوله تعالى: {ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (51) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (52) وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (53) وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (54) } يتجلى في هذا الخطاب الرباني الكريم التسلية والمواساة لرسول الله (ص) لما كابده من أذى قومه، وبما لقيه في تبليغهم دعوة الله من ألوان الصد والقهر.
فقال عز من قائل: (ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا) أي لو أراد الله لبعث في كل قرية نبيا ينذرهم ويدعوهم إلى الحق، ليخفف عنك الأمر وليهون عليك وجيبة التبليغ - ولكن الله إنما أراد أن يُعظم لك الأجر والإجلال والتشريف فتكون معظما مكرما ولك من جليل القدر وعلو المكانة ما لم يبلغه أحد في العالمين؛ إذ جعلك الله منذرا للناس كافة ورسولا للعالمين أجمعين - وفي الصحيحين:"بعثت إلى الحمر والأسود"وفيها أيضا:"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة".