فهرس الكتاب
والمعنى: أن هذا الصراط المستقيم، وهو دين الله المتين ومنهجه الحق للعالمين الذي جاءك يا محمد، لهو تنزيل من الله {الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ} أي القوي المنتقم من العصاة والظالمين، الرءوف بالتائبين المنيبين.
قوله: {لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آَبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ} المراد بالقوم في أظهر الأقوال، هذه الأمة؛ فإنهم كانوا أهل فترة ولم يأتهم نذير حتى بعث الله إليهم رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم مبشر ونذيرا.
وقوله: {فَهُمْ غَافِلُونَ} أي كانوا أهل فترة لم يأتهم فيها رسول فكانوا في غفلة عن الهدى وملة التوحيد، وكانوا سادرين في الشرك والضلال.
قوله: {لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ} {حَقَّ الْقَوْلُ} ؛ أي وجب العقاب من الله على أكثر الناس؛ لأنهم لا يؤمنون - فقد علم الله أنهم غير مؤمنين به وحده، وأنهم غير مصدقي رسوله الكريم صلى الله عليه
وسلم بل إنهم ضالون مكذبون سادرون في ضلالة الجاهلية والوثنية.
قال تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (8) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (9) وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (10) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (11) إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآَثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ} .
الأغلال جمع غل بالضم وهو الطوق من الحديد في العنق 2 فالأغلال بمعنى القيود والأصفاد - والأذقان جمع ذقن وهي مجمع اللحيين - و {مُقْمَحُونَ} ، جمع مقمح من الإقماح وهو رفع الرأس وغض البصر - أقمحه الغل إذا ترك رأسه مرفوعا من ضيقه 3، والمعنى: أن هؤلاء الضالين المشركين الذين ختم الله على قلوبهم مبعدون من الإيمان والرحمة مغلولون عن كل خير فهم كمن جُعل في عنقه غُل فجُمعت به يداه في عنقه تحت ذقنه فصار رأسه مُقحما أي مرتفعا - وهذا مثل ضربه الله لهؤلاء المشركين المكذبين، في امتناعهم من الهدى كامتناع المغلول من بسط يديه بخير.
قوله: {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} السدّ، معناه الحاجز - فقد جعل الله من أمام هؤلاء الضالين حاجزا ومن خلفهم حاجزا - والمراد به الضلالات - فهم مترددون في الضلالات، زائغون بها عن الحق.
قوله: {فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ} يعني أغشينا أبصارهم أي غطيناها وجعلنا عليها غشاوة فلا ترى شيئا - أو ألبسنا أبصارهم غشاوة كيلا يروا.
وقيل: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وأبو جهل وأمية بن خلف يراصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه - فخرج عليهم الصلاة والسلام وهو يقرأ {يس} وفي يده تراب فرماهم به وقرأ {وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا} فأطرقوا حتى مر عليهم عليه السلام.