فهرس الكتاب

الصفحة 2282 من 2536

قوله: {وخلق الجان من مارج من نار} أي من لسان من نار، أو هو من طرف لهبها - وقيل: من اللهب الصافي الذي لا دخان فيه، فهو بذلك ذو طبيعة اقتضاها تكوينه من النار المتأججة التي تحرق كل ما تصيبه أو تأتي عليه - وكذا الجان غير المؤمن فإنه من نسل إبليس هذا المخلوق المنكود الشقي الذي لا يستقر ولا يسكن ولا يبرح حتى يغوي بني آدم إغواء فيضلهم عن سبيل الله إضلالا، أما المؤمنون من الجن فهم كإخوانهم المؤمنين من الإنس، فإنهم جميعا عابدون مخبتون لله مقرّون له بالإلهية والوحدانية.

قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} فبأي أنعم الله تكذبان يا معشر الثقلين من الجن والإنس - فقد أنعم الله عليكم بنعمة الخلق والوجود وبما بث فيكما من مختلف القدرات والاستعدادات كالحركة والسعي والوعي والفهم والنطق والتناسل.

قوله: {رب المشرقين ورب المغربين} الله مالك كل شيء وهيمنته وسلطانه منبسطان على الوجود كله - وهو سبحانه {رب المشرقين ورب المغربين} والمراد بالمشرقين، مشرق كل من الصيف والشتاء وكذلك المراد بالمغربين، مغرب كل واحد من الصيف والشتاء.

قوله: {رب المشرقين ورب المغربين} يعني بالمشرقين، مشرقي الصيف والشتاء ويريد بالمغربين، مغربي الصيف والشتاء أيضا - فثمة تفاوت بين مكان المشرق والمغرب في كل من الصيف والشتاء نظرا للاختلاف في المدة الزمنية لليل والنهار في الفصلين، وفي ذلك من بالغ الرحمة والنعمة بالخلق ما يعلمه أولو العلم من الناس.

وهذه نعمة ما ينبغي لأحد من الثقلين أن يجحدها فقال سبحانه في ذلك: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} .

19 - (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ)

قوله: {مرج البحرين يلتقيان} مرج بمعنى أرسل - والمراد بالبحرين ماء النهر العذب الفرات وماء البحر الملح الأجاج - فقد أرساهما الله متجاورين متلاقيين ليس بينهما من فصل،

20 - (بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ)

لكن الله حال بينهما ببرزخ فلا يلتقيان وهو قوله سبحانه: {بينهما برزخ لا يبغيان} - والبرزخ معناه الحاجز - أي بين البحر والنهر حاجز أو مانع فلا يبغي أحدهما على الآخر بالممازجة فكل واحد منهما لا يجاوز حده، وذلك بما خلق الله من أسباب تحول دون تلاقي البحر والنهر أو تمازجهما معا.

ومن جملة الأسباب طبيعة الأرض في شكلها الكروي ليكون كل جزء من أجزاء الأرض في معزل عن الآخر - وكذلك الجاذبية المطردة المتبادلة بين الأرض والقمر ليستديم التجادب والانشداد المتوازن بين القمر، وأجزاء الأرض فلا يمتزج واحد من أجزائها بغيره - وبذلك يستقر كل واحد من الخلقين في مكانه المعلوم فلا يلتقيان ولا يبغيان،

لا جرم أن هذه نعمة كبرى من أنعم الله العظام يبينها لخلقه، ليعلموا أنهم موجودون نعمة من الله وفضل، وأنهم سائرون على الأرض الممهدة الصالحة ليتيسر لهم العيش والحياة في أمن ويسر وراحة من غير خلل ولا اضطراب فقال سبحانه مذكّرا للثقلين بأنعمه عليهم: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت