وذلك هو شأن الإنسان - فما يدرك بحسه حتى يزداد يقينا وتثبيتا، مع اليقين الكامل والمطلق أنه {وما النصر إلا من عند الله} أي أن النصر من عند الله يكتبه لعباده المؤمنين العاملين المخلصين - وأولئك الذين يجازيهم الله بالنصر والتوفيق ما داموا صادقين مخلصين، وعلى منهج الله وحده سائرين، وعليه سبحانه معتمدين متوكلين، ومثل هذه الفئة المؤمنة الصادقة لا جرم أن يكتب الله لها النصر إذا استوفت واجباتها من الإعداد الديني والنفسي والمادي ما استطاعت إلى ذلك سبيلا - تلك هي الفئة المؤمنة في كل زمان إذا استوفت ما عليها من الواجبات، وأدت ما في ذمتها من حقوق الله والبعاد، واستعدت للقاء العدو ما أمكنها من استعداد المادة والحس -وإن كان دون استعداد الكافرين- فإن الله جلت قدرته يكتب لهم النصر بعونه ومشيئته إنجازا لوعده القائم الدائم {وما النصر إلا من عند الله} وقوله سبحانه: {ولينصرن الله من ينصره} قوله: {إن الله عزيز حكيم} أي أن الله لا يقهره قاهر ولا يغلبه غالب - بل إنه عز وهلا القاهر فوق عباده، لا يهز عليه أن يقهر قاهر ولا يغلبه غالب - وهو كذلك {حكيم} أي فيما يفعل وفي تدبيره للكون والكائنات - فلا ينصر قوما أو يخذل آخرين إلا عن حكمة 12 يعلمها هو - ولا ينصر المؤمنين أو يصرف عنهم النصر في بعض الأحيان إلا عن إرادته الربانية وحكمته الإلهية، فهو أعلم بمن يستحق النصر أو يستوجب الهزيمة 13.
قوله تعالى: {إذ يغشيكم النعاس أمنة وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام 11 إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان 12 ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب 13 ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار} النعاس مفعول به ثان - أمنة منصوب على أنه مفعول لأجله 14.
يذكر الله المؤمنين بما أنعم به عليهم من إلقاء النعاس عليهم ليأمنوا، وليجدوا في أنفسهم الراحة والسكينة مما أصابهم من خوف لما رأوه من كثرة عدوهم وقلة عددهم، فغشاهم النعاس، أي ألقوه عليهم {أمنة} ليكون لهم من الله أمانا فيرقدون ساكنين مطمئنين وقد ذهب عنهم الخوف من عدوهم - مع أنه النعاس إنما يغشى الآمن الذي لا يخاف، لكن ذلك قد حصل للمؤمنين في الليلة التي كان القتال من غدها فكان النوم في مثل هذه الساعات المخوفة الحرجة أمرا عجيبا - ولكن الله الذي سلم وكتب للمؤمنين النصر هو الذي ربط جأشهم وامتن عليهم بالصبر واشتداد العزم، فوق ما غشيهم من النعاس ليأمنوا - وفي هذا أخرج الحافظ أو يعلي عن علي رضي الله عنه قال: ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي تحت شجرة ويبكي حتى أصبح.