قوله: {قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين} مشفقين،
من الإشفاق وهو الحذر والخوف 8،
أي قال بعضهم لبعض: إنا كنا في الدنيا خائفين من عذاب الله أن يحيق بنا.
قوله: {فمنّ الله علينا ووقانا عذاب السّموم}
منّ الله علينا بفضله وواسع رحمته فنجانا
من عذاب السموم وهي النار وأدخلنا الجنة.
قوله: {إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم} أي كنا في الدنيا نعبد الله ونتضرع إليه بالدعاء لغفر لنا وليكتب لنا النجاة {إنه هو البر الرحيم} البر بمعنى الصادق، من البر، بالكسر وهو الخير والفضل 9 والبر الرحيم، أي اللطيف أو الصادق فيما وعد، والرحيم بعباده المؤمنين فلا يعذبهم عقب توبتهم
قوله تعالى: {فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون 29 أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون 30 قل تربصوا فإني معكم من المتربصين 31 أم تأمرهم أحلامهم بهذا أم هم قوم طاغون 32 أم يقولون تقوّله بل لا يؤمنون 33 فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين 34 أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} .
يأمر الله نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بالمضي في تبليغ الرسالة للناس فلا يعبأ بافترائهم عليه ولا يكترث مما ينسبونه إليه من أباطيل الكلام فقال سبحانه: {فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون} أي ذكر الناس بالقرآن وبلغهم ما أنزل إليك من ربك فلست أنت بنعمة ربك وهي الإسلام، بكاهن - وهو الذي يأتيه الجانّ بالكلمة يسترقها من أخبار السماء - ولست كذلك بمجنون كما يهذي الظالمون السفهاء - وهم في الحقيقة موقنون في قرار أنفسهم أن محمدا صلى الله عليه وسلم صادق وأنه ما كذب قط، وأنه مبعوث من ربه إلى الناس، لكنهم هم الظالمون الموغلون في العناد والمكابرة.
قوله: {أم يقولون شاعر} يعني بل يقول هؤلاء المشركون إن محمدا شاعر {نتربص به ريب المنون} المنون، الموت - أي ننتظر بمحمد حوادث الدهر وقوارع الزمان حتى يموت فنستريح منه.
31 - (قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ)
قوله: {قل تربصوا فإني معكم من المتربصين} أي انتظروا فإني منتظر معكم وستعلمون من تكون له الغلبة وحسن العواقب في الدنيا والآخرة.
32 - (أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلامُهُمْ بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ)
قوله: {أم تأمرهم أحلامهم بهذا} يقول الله على سبيل التوبيخ لهؤلاء المشركين والإنكار: أتأمرهم عقولهم بهذا الافتراء والتقوّل الباطل فيما يزعمونه عنك من الزور والباطل {أم هم قوم طاغون} أي بل هم قوم متجاوزون موغلون في الضلال والباطل.
قوله: {أم يقولون تقوّله} تقوّله، من التقول وهو الكذب 11 أي يقول المشركون إن محمدا اختلق القرآن من تلقاء نفسه {بل لا يؤمنون} يعني إنما يقولون مقالتهم الباطلة عن محمد صلى الله عليه وسلم لكفرهم وفرط عنادهم وكراهيتهم للحق، وهم يعلمون ويوقنون أن قولهم باطل وزور وأن محمدا صلى الله عليه وسلم ليس بمتقول ولا مفتر بل هو معروف عندهم بصدقه وأمانته وحميد أخلاقه.