وهذه نعمة من الله ينبّه عباده إليها، ليعلموا أن الله عونهم ومجيرهم ومغيثهم وكاشف الضراء والبلاء عنهم - فقال عز وعلا: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} 9.
ذلك وعيد من الله للعباد يوم القيامة بأنه سيفرغ لهم وليس به شغل - وقيل: {سنفرغ لكم} يعني سنقضي لكم - وقال البخاري: سنحاسبكم لا يشغله شيء عن شيء - وهو معروف في كلام العرب - يقال: لأتفرغنّ لك، وما به شغل - والمراد بالثقلين الإنس والجن وقد سمّيا بذلك، لأنهما يثقلان الأرض.
قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} سيقضي الله بين العباد يوم القيامة،
وسيجزون بأعمالهم من خير أو شر ولو كان مثقال ذرة - وذلكم عدل من الله كبير
وهي نعمة يمنّ الله بها على معشر الثقلين من الجن والإنس.
قوله: {يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا} تنفذوا، تخلصوا أو تخرجوا 10 - والمعنى: إذا قدرتم أيها الجن والإنس أن تفروا من سلطان الله وهيمنته أو تخرجوا من أطراف خلقه من السماوات والأرض هربا من قضاء الله وقدرته {لاتنفذون إلا بسلطان} أي لا تستطيعون أن تخرجوا أو تفروا هربا من ملكوت الله {إلا بسلطان} أي بقدرة أو قوة أو برهان أو بينة من الله تمكنكم من النفوذ في أقطار السماوات والأرض - وإنما ذلك كائن بأمر الله وإرادته وتمكينه إياكم من ضرب من ضروب النفوذ في محيط هذا الكون.
وقيل: يقال لهم هذا يوم القيامة حين تحدق بهم الملائكة فإذا رآهم الجن والإنس هربوا فلا يأتون جهة من الجهات إلا وجدوا الملائكة قد أحاطت به.
قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} أيما سلطان من قوة أو قدرة أو بينة من علم ونحوه للنفوذ في إطار السماوات والأرض، فإنه نعمة من أنعم الله يمن بها على عباده
فما ينبغي لهم أن يجحدوا نعمه.
قوله: {يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران} الشواظ معناه لهب لا دخان فيه: أو دخان النار وحرها 11 وقيل: شواظ من نار أي سيل من نار - ونحاس معناه دخان النار - وقيل: المراد به النحاس المذاب - والمعنى، أنكم لو توليتم هاربين يوم القيامة لردتكم الملائكة وزبانية جهنم، فهم بإرسال اللهب من النار والدخان أو النحاس المذاب عليكم يردونكم {فلا تنتصران} أي فلا تمتنعان من الوقوع في العذاب.
قوله: {فبأي آلاء ربكما تكذبان} ذلك أن الإخبار عن جزاء الكافرين وعما يصير إليه المجرمون الظالمون من تعس وخسران وعما توعدهم الله به من عذاب الحريق لا جرم أنه حق وعدل
وذلكم ضرب من ضروب الآلاء التي يمن الله بها على عباده
قوله تعالى: {فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان 37 فبأي آلاء ربكما تكذبان 38 فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان 39 فبأي آلاء ربكما تكذبان 40 يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام 41 فبأي آلاء ربكما تكذبان 42 هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون 43 يطوفون بينها وبين حميم آن 44 فبأي آلاء ربكما تكذبان} .