أما افتراء الظالمين على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجِنة فذلكم هذيان فاضح ومستقبح لا يجترئ على التلعثم به إلا كل مأفون مضلَّل قد أكل قلبه الحسد والضِّغْن وفرط التعصب والكراهية لنبي الإنسانية ورسول العالمين عليه الصلاة والسلام.
على أن ثمة تخليطا في افتراء المشركين وكذبهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذْ يرمونه بالشعر والجنون في آن - فكيف يتيسر للشاعر أن يكون مجنونا - وهل يصدق من ربه مِسْكةٌ من عقل أن المجنون يقرضُ شعرا؟؟ فإنه معلوم أن الشعر في ذاته براعة وإبداع من النظْم الموزون المقفى، وهو ضرب من ضروب التفنّن في الكلام المرصوف المنتظم - فأنّى للمجنون أن يقرض الشعر؟؟ إنَّ ذلكم إيغال من المشركين الظالمين، في الحماقة والسفه والمكابرة.
قوله: {بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ} أضرب عن كلامهم المستنكر، وأخبر بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء بالحق من ربه؛ إذ آتاه القرآن العظيم وهو ليس بالشعر ولا بغيره من ضروب الكلام ولكنه النظم الفريد المميَّز الذي لا يضاهيه في النظم كلام.
قوله: {وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ} جاء محمد صلى الله عليه وسلم مصدقا للنبيين من قبله - وقد أمر أمته أن يؤمنوا بالنبيين والمرسلين جميعا وأن لا يُفَرِّقوا بين أحد منهم كما يفعل الظالمون من أهل الكتاب؛ إذْ فرّقوا في الإيمان بين النبيين، فآمنوا ببعضهم وكفروا بآخرين جريا وراء أهوائهم وضلالاتهم وما مَرَدوا عليه من التعصُّب والجنوح للاعوجاج.
والظالمون من أهل الكتاب قد ضلوا أفظع ضلال باتفاقهم على تكذيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتمالئهم عليه وعلى دينه وقرآنه وأمته ليضعفوهم أو يذلوهم أو يبيدوهم إن استطاعوا.
قوله: {إِنَّكُمْ لَذَائِقُو الْعَذَابِ الْأَلِيمِ} ذلك تهديد من الله ووعيد للكافرين الظالمين الذي يفترون الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنهم سيصلون النار بعذابها الوجيع الشديد.
39 - (وَمَا تُجْزَوْنَ إِلا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ)
قوله: {وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} أي لا تصلون النار فتعذبون بعذابها الشديد إلا جزاءَ عملكم الذي قدمتموه في الدنيا وهو الشرك والعصيان 16
قوله تعالى: {إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (40) أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (41) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (42) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (43) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (44) يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (45) بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (46) لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (47) وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (48) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ} .
استثنى من حال الكافرين وخسرانهم وتعذيبهم، المؤمنين بقوله: {إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ} وذلك استثناء منقطع 17 فإنه لما ذكر شيئا من أحوال الكافرين وما يجزوْنه من العذاب، ذكر شيئا من أحوال المؤمنين وما يفيض الله به عليهم من أصناف النعم، وهؤلاء هم المؤمنون الذين استخلصهم الله للإيمان والامتثال وحسن المصير.