فهرس الكتاب

الصفحة 1085 من 2536

فإن هذا الكلام الملفق المصطنع لم يخف على عمرو بن العاص وهو مشرك خصيم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ إذ سخر منه واستقبحه واستهجنه غاية الاستهجان؛ لفرط ركاكته في مبناه، وبالغ تفاهته في معناه 21.

قوله تعالى: {ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون 18 وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} .

يبين الله حال المشركون السفهاء؛ إذ كانوا يعبدون الأوثان وهي أجسام مركومة عمياء لا تعي ولا تعقل - أو هي أشباح مصنوعة بلهاء لا تسمع ولا تنطق ولا تدري عن نفسها وعميق حولها شيئا - كانوا يعبدونها وهي لا تملك لهم ضرا ولا نفعا، ويظنون واهمين أنها تشفع لهم عند الله.

قوله: {قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض} أي قل لهم يا محمد: أتخبرون الله أن ما لا يشفع في السموات ولا في الأرض يشفع لكم فيهما؟! فذلك باطل ليس له حقيقة أو وجود - بل إن الله يعلم أن ذلك خلاف ما تزعمون وأن هذه الأصنام التي تعبدونها لا تملك الشفاعة لأحد، بل لا تنفع أحدا ولا تضره - وفي ذلك من التهكم بالمشركين والاستخفاف بعقولهم ما لا يخفى.

قوله: {سبحانه وتعالى عما يشركون} ينزه الله نفسه العظيمة عما ينسه إليه هؤلاء السفهاء من شرك؛ فهو أعظم من أن يكون له شريك أو نديد.

قوله: {وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا} الأمة هنا بمعنى الطريقة والدين، وفي الآية {كنتم خير أمة} أي كنتم خير أهل دين 22.

واختلفوا في تأويل هذه الآية فقيل: كان الناس أهل دين واحد وملة واحدة وهي ملة الإيمان والتوحيد - فكانوا جميعا على الدين الحق، دين الفطرة وهو الإسلام - واختلف القائلون بهذا أنهم متى كانوا كذلك - فقال ابن عباس: كانوا على دين الإسلام في عهد آدم وفي عهد ولده إلى أن قتل أحد ابنيه أخاه.

وقيل: بقوا على دين الإسلام إلى زمن نوح حيث الطوفان وكانوا عشرة قرون، ثم اختلفوا على عهد نوح؛ فبعث الله لهم نوحا.

وقال بعض المفسرين في المراد بأنهم كانوا أمة واحدة: إنهم خلقوا على فطرة الإسلام، ثم اختلفوا في الأديان وهو ما يشير إليه قوله عليه الصلاة والسلام: (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويشركانه) وقيل غير ذلك.

قوله: {ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون} أي لولا ما سبق في حكم الله إنه لا يقضي بينهم فيما اختلفوا فيه قيل يوم القيامة لقضي بينهم في الدنيا فيما اختلفوا فيه، لكنه سبحانه لم يفعل، وذلك من أجل كلمته التي سبقت والتي لا تتخلف 23.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت