فهرس الكتاب

الصفحة 1154 من 2536

والمعنى: أن إبراهيم عليه السلام لما اطمأن قلبه من الخوف الذي أصابه وامتلأ سرورا بسبب البشرى بإهلاك قوم لوط، أو بالولد، طفق بعد ذلك يجادل الملائكة وهم رسل الله - ومجادلته إياهم أنهم قالوا: {إنا مهلكوا أهل هذه القرية} فقال لهم: أتهلكون قرية فيها ثلاثمائة مؤمن؟ قالوا: لا - قال: أفتهلكون قرية فيها مائتا مؤمن؟ قالوا: لا - قال: أفتهلكون قرية فيها أربعون مؤمنا؟ قالوا: لا - قال: ثلاثون؟ قالوا:.؛ حتى بلغ خمسة، قالوا: لا - قال: أرأيتكم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها؟ قالوا: لا؛ فقال إبراهيم عليه السلام عند ذلك {إن فيها لوطا قولوا نحن أعلم بمن فيها لننجيه وأهله إلا امرأته} فسكت عنهم واطمأنت نفسه.

قوله: {إن إبراهيم لحليم أواه منيب} الحليم، عظيم الصفح والستر، من الحلم بكسر الحاء، وهو الأناة والصفح وضبط النفس 96 - والأواه: القانت، كثير التأوه من خوف الله - والمنيب: الرجاع إلى الله - ومثل هذه الصفات يكشف عن صفات إبراهيم في رقة قلبه وعظيم رأفته ورحمته.

قوله: {يا إبراهيم أعرض عن هذا} يخبر الله عن قيل الملائكة لإبراهيم حين جادلهم في قوم لوط فقالوا له: دع عنك الجدال في أمر هؤلاء المؤتفكين الفاسقين؛ فقد جاءهم حكم الله بالعذاب ومضى فيهم قضاؤه بالإهلاك والتدمير - وهو قوله: {إنه قد جاء أمر ربك} أي عذابه - وقوله: {وإنهم آتاهم عذاب غير مردود} {عذاب} ، فاعل لاسم الفاعل الذي هو {آتاهم} 97 إن هؤلاء المؤتفكين الفاسقين القذرين نازل من الله عذاب أليم ومذل {غير مردود} غير مصروف عنهم ولا مدفوع 98.

قوله تعالى: {ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا و قال هذا يوم عصيب 77 وجاءه قومه يهرعون إليه ومن قبل كانوا يعملون السيئات قال يا قوم هؤلاء بناتي هن أطهر لكم فاتقوا الله ولا تخزون في ضيفي أليس منكم رجل رشيد 78 قالوا لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد} بعد أن خرجت الملائكة من عند إبراهيم انطلقوا صوب لوط عليه السلام؛ إذ وردوا عليه في أجمل وجه وأحسن صورة - وذلك ابتلاء من الله لقوم لوط، ولله في ابتلائهم بجمال هؤلاء الشبان الحكمة البالغة والحجة القاطعة - فما أن علم لوط بقدومهم حتى شيء بهم؛ أي ساءه مجيئهم {وضاق بهم ذرعا} {ذرعا} ، منصوب على التمييز، أي كره مجيئهم أو ضاق صدره بجيأتهم - وذلك لما من جمال وجوههم وحسن صورتهم وهو يعلم ما عليه قومه من الفسق والجنوح للرجس والقذر - {وقال هذا يوم عصيب} أي شديد البلاء - وذلك أن لوطا يعلم أنه سيدافع عن هؤلاء الشبان لكن ذلك يشق عليه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت