فهرس الكتاب

الصفحة 1586 من 2536

قوله: (أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع لهم في الخيرات) الاستفهام للإنكار والتوبيخ - والمعنى: أيحسب هؤلاء الضالون الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا مختلفة تائهة واهمة، أن الذي أمدهم الله به في عاجل هذه الدنيا من مال وبنين نبادر فيه تكريما لهم وإسراعا لهم في الخير - ليس كذلك؛ بل كان ذلك استدراجا لهم وإملاء - ولهذا قال: (بل لا يشعرون) أي لا يعلمون أن إمداد الله لهم بما أمدهم به من مال وبنين إنما كان استدراجا لهم وإمهالا.

(بل لا يشعرون) أي لا يعلمون أن إمداد الله لهم بما أمدهم به من مال وبنين إنما كان استدراجا لهم وإمهالا - إن إمداد الناس بالمال لا يدل على فضلهم عند ربهم أو أنهم مرضي عنهم من الله - فلا يصلح المال أو الولد أو الجاه أو السلطان، سببا لكرامة الإنسان عند الله أو أن ذلك مشعر بتقواه وصلاحه وحسن مصيره - وإنما الصلاح أو حسن المصير مرهون بالتقوى وعمل الصالحات - والله جل وعلا إنما يرزق المؤمنين وغير المؤمنين - فقد روى الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (ص) :"إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم وإن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب فمن أعطاه الدين فقد أحبه - والذي نفس محمد بيده لا يسلم عبد حتى يسلم قلبه ولسانه، ولا يؤمن حتى يأمن جاره بوائقه"قالوا: وما بوائقه يا رسول الله؟ قال:"غشمه 24 وظلمه - ولا يكسب عبد مالا من حرام فينفق منه فيبارك له فيه ولا يتصدق به فيقبل منه ولا يتركه خلف ظهره إلا كان زاده إلى النار - إن الله لا يمحو السيئ بالسيئ ولكن يمحو السيئ بالحسن، إن الخبيث لا يمحو الخبيث"25.

قوله تعالى: {إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) } .

بعد ذكر الكافرين وإعراضهم عن دين الله ومجازاتهم بالهلاك والاستئصال، شرع في ذكر المؤمنين المتقين الذين يبادرون الطاعات وفعل الخيرات، مسارعين غير مبطئين فقال: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون) من الإشفاق وهو الخوف - وهذه صفة ظاهرة من صفات المؤمنين وخصائصهم، وهي أنهم على الدوام خائفون من عذاب الله - وخبر إن في قوله: (أولئك يسارعون في الخيرات) 26.

قوله: {والذين هم بآيات ربهم يؤمنون} وهذه صفة ثانية للمؤمنين، وهي إيمانهم الكامل بآيات الله جميعا سواء في ذلك آياته من كتابه المنزل الحكيم أو آياته في الكون الدالة على وجوده وعظيم قدرته،

وبالغ سلطانه وجبروته.

قوله: {والذين هم بربهم لا يشركون} وهذه صفة ثالثة للمؤمنين - وهي إخلاصهم العبادة لله وحده؛ فإن المؤمنين المخبتين الصادقين لا يشركون مع الله أيما إله أو معبود آخر يبتغون عنده العزة أو الحظوة أو السعد - المؤمن التقي الصادق بريء من كل صور الوثنية أو الإشراك - وإنما يتوجه بقلبه طائعا متواضعا متذللا لله وحده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت