فهرس الكتاب

الصفحة 754 من 2536

قوله: {ما عندي ما تستعجلون} نزلت في النضر بن الحارث ورؤساء قريش كانوا يقولون: يا محمد ائتنا بالعذاب الذي تعدنا به استهزاء منهم - فنزلت هذه الآية 68 والذي يستعجلون به هو العذاب - فإنهم لشدة جحودهم وتكذيبهم كانوا - على سبيل التهكم والاستهزاء - يستعجلون نزول العذاب والنقم بهم - وذلك كقولهم: {اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم} فأمر الله نبيه الكريم أن يقول لهؤلاء العتاة أهل الباطل: ما تستعجلونه من العذاب والنقم ليس بيدي ولا أنا بقادر على ذلك وإنما أنا رسول الله، وما علي إلا البلاغ لما أرسلت به - والله جلت قدرته يقضي بالحق ويفصل به بيني وبينكم فيتبين المحق من المبطل - وهو سبحانه لا يقع في حكمه جور ولا حيف فهو أعدل العادلين؟

لذلك قال: {إن الحكم إلا لله يقص الحق} أي ما الحكم في تأخير العذاب أو تعجيله إلا لله وحده وليس لأحد من خلقه فهو سبحانه {يقص الحق} أي يقضي القضاء الحق - وهو سبحانه {خير الفاصلين} أي خير من ميز بين الحق وأهله، والباطل وأهله 69.

قوله: {قل لو أن عندي ما تستعجلون به لقضي الأمر بيني وبينكم والله أعلم بالظلمين} الاستعجال: طلب تعجيل الشيء قبل وقته - أي قل لهؤلاء المكذبين الذين يستعجلون وقوع العذاب: لو كان في قدرتي ومكنتي إنزال ما تستعجلونه من العذاب بكم لأنزلته فأهلكتكم عاجلا، غضبا لله وامتعاضا من تكذيبكم - ولكن ذلك بيد الله فهو أعلم بوقت الانتقام وإنزال العذاب على الظالمين المشركين أمثالكم 70.

قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين} .

المفاتح جمع مفتح بكسر الميم - وهو المفتاح - والمراد بالمفاتح: المفاتيح - والمفتاح عبارة عن كل ما يحل غلقا سواء كان محسوسا كالقفل، أو معقولا كالنظر - والمفاتح في الآية استعارة عن التوصل إلى الغيوب، أي أنه جعل للغيب مفاتح على سبيل الاستعارة، لأن المفاتيح يتوصل بها إلى ما في الخزائن الموثوقة الإغلاق - والعالم بتلك المفاتيح يمكنه التوصل بها إلى ما في الخزائن - وكذلك الله سبحانه هنا لما كان عالما بجميع المعلومات والمغيبات عبر عن ذلك بقوله: {مفاتح} 71 والمراد بالغيب ما غاب علمه عن الناس مما هو خفي ومستور ولا يعلمه إلا الله - وهو سبحانه العالم بالمغيبات من مجاهيل الأمور والحقائق والمخلوقات - وهو المكتشف المطلع على الأسرار والخفايا مما يستكن في بواطن الغيب والأشياء - الله تعالى عليم بذلك كله، لا يند عن علمه وإحاطته وقدرته شيء صغيرا أو كبيرا، ظاهرا أو مستورا - سواء كان في السماء أو الأرض - أو في أي مكان من بقاع هذا الكون الهائل - إن الله علام الغيوب لا يفوته ولا يعجزه خبر أو معلوم في أرجاء العالمين وفي ضمائر الأزمان جميعا.

إن هذه الحقائق الضخمة عن علم الله المطلق لهو مما يقتضيه قوله سبحانه: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت