قوله: {والأرض بعد ذلك دحاها} يعني دحى الله الأرض من بعد خلق السماء - ودحاها أي بسطها ومهدها للسكنى - والأدحية والأدحوة، مبيض النعام في الرمل 10 ولا إشكال فيما ذكره الباحثون في علوم الفلك من أن الأرض تشبه الكرة في هيأتها، فإن الجسم العظيم يكون ظاهره للناظرين كالسطح المستوي المبسوط وإن كان في حقيقته كالكرة - وهكذا الأرض فإنها لعظيم سعتها وضخامة حجمها ينظر إليها الرائي فيجدها أمامه مستوية مبسوطة بالرغم من افتراضها على هيأة الكرة في شكلها الأساسي - على أن المراد هنا أن الأرض قد جعلها الله صالحة ممهدة للعيش والقرار
ثم فسّر هذا التمهيد والصلوح بما لابد منه للعيش السليم والاستقرار المكين على وجه الأرض وهو قوله: {أخرج منها ماءها ومرعاها} - يعني فجر فيها الأنهار والينابيع والعيون، وأخرج منها النبات بمختلف أصنافه وأشكاله وروائحه وألوانه - وفي ذلك كله قوام العيش السليم والاستقرار المكين للإنسان على الأرض.
32 - (وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا)
قوله: {والجبال أرساها} أي أثبتها في الأرض وجعلها مركوزة فيها لكي تستقر فلا تميد أو تضطرب.
33 - (مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ)
قوله: {متاعا لكم ولأنعامكم} أي ذلك كله من إخراج الماء والنبات {متاعا} لتتمتعوا به وتنتفعوا أنتم وأنعامكم حتى تفنى هذه الدنيا ثم بعد ذلك تنقلبون إلى الدار الآخرة لتلاقوا الحساب والجزاء 11.
قوله تعالى: {فإذا جاءت الطامة الكبرى 34 يوم يتذكر الإنسان ما سعى 35 وبرّزت الجحيم لمن يرى 36 فأما من طغى 37 وآثر الحياة الدنيا 38 فإن الجحيم هي المأوى 39 وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى 40 فإن الجنة هي المأوى 41 يسألونك عن الساعة أيّان مرساها 42 فيم أنت من ذكراها 43 إلى ربك منتهاها 44 إنما أنت منذر من يخشاها 45 كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها} .
الطامة هي القيامة - سميت بذلك، لأنها تطمّ على كل شيء فتعم ما سواها لعظيم هولها - يقال: طمّ الشيء إذا كثر حتى علا وغلب 12 وهي الداهية التي تطم على كل الدواهي وتعلو وتغلب على كل أمر فادح جلل وذلك بأهوالها المفظعة ونوازلها المفزعة - وحينئذ يفزع العباد ويشخصون ويذهلون عما سوى القيامة من أخبار وقوارع.
35 - (يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ مَا سَعَى)
قوله: {يوم يتذكر الإنسان ما سعى} إذا قامت القيامة وهي الطامة يتذكر الإنسان حينئذ ما قدم في الدنيا من خير العمل وشره.
36 - (وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى)
قوله: {وبرّزت الجحيم لمن يرى} يعني أظهرت النار أمام أعين الناظرين فيبصرونها - أو يكشف عنها فيراها تتلظى كل ذي بصر.
37 - (فَأَمَّا مَنْ طَغَى)
قوله: {فأما من طغى} أي من تجاوز الحد في العصيان فضل ضلالا كبيرا وأوغل في الذنوب والمعاصي.
38 - (وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)
قوله: {وآثر الحياة الدنيا} أي آثر الشهوات والملذات وما حوته الدنيا من أوجه المتاع والزينة فرضي بذلك وآثره على الآخرة حيث الخلود والنعيم الدائم المقيم فعصى الله وأعرض عن دينه.
قوله: {فإن الجحيم هي المأوى} أي جزاؤه جهنم بنارها المتسعّرة المتوقدة يصلاها فتكون له المنزل والمثوى.