وعلى هذا فإن المسلمين جميعا إخوان متحابون متعاونون وذلك على اختلاف ألوانهم ولغاتهم وأوطانهم، ومهما تناءت بينهم البلدان والأقاليم، وهم لا تفرق بينهم الحواجز المصطنعة التي أوجدها الظالمون المخالفون لأمر الله، الرافضون لعقيدة الإسلام ومنهج الله للعالمين، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم"المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه"وعنه صلى الله عليه وسلم من رواية أحمد عن سهيل بن سعد الساعدي (رضي الله عنه) "إن المؤمن من أهل الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد يألم المؤمن لأهل الإيمان كما يألم الجسد لما في الرأس" {فأصلحوا بين أخويكم} أي أصلحوا بين المسلمين سواء كانوا اثنين أو فئتين أو طائفتين إذا وقع بينهم نزاع أو خصومة أو اقتتال، ليفيئوا جميعا إلى حكم الله العادل وليزول من بين المسلمسن كل وجه من أوجه الشقاق والخلاف.
قوله: {واتقوا الله لعلكم ترحمون} أي خافوا ربكم بأداء فرائضه واجتناب عصيانه ونواهيه والإصلاح بين إخوانكم المسلمين بالعدل يبسط الله عليكم رحمته وتحظوا بالمغفرة والأجر والإحسان 14.
11 - (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون} .
ذلك نهي من الله شديد عن السخرية من الناس - فأيما استهزاء أو استسخار من أحد أو جماعة أو طائفة، حرام مهما كان السبب لدى الساخر المستهزئ كما لو سخر من غيره لكونه قصيرا أو فقيرا أو دميما أو صعلوكا ذليلا أو أسود اللون أو عييا
لا يحسن الخطاب أو غير ذلك من الأسباب والصفات، فلا يسخر أحد من أحد لشيء مما ذكر إلا طوّقه الإثم وأحاطت به الخطيئة وباء بالذنب الكبير ووقع فيما نهى الله عنه، وهو قوله: {لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن} ربما كان المستهزأ به خيرا من الساخر المستهزئ عند الله فيكون أفضل منه بطيب نيته وحسن سريرته وتقواه - وفي ذلك روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم".
وفي التنديد الشديد بالسخرية من عباد الله، وتغليظ النكير عليها، روى الترمذي عن عائشة قالت: حكيت للنبي صلى الله عليه وسلم رجلا 15، فقال:"ما يسرني أني حكيت رجلا وأن لي كذا كذا"فقلت: يا رسول الله إن صفية امرأة - وقالت بيدها- هكذا، يعني أنها قصيرة - فقال:"لقد مزجت بكلمة لو مزج بها البحر لمزج".
قوله: {ولا تلمزوا أنفسكم} تلمزوا من اللمز، وهو الإشارة بالعين ونحوها كالرأس والشفة مع كلام خفي - واللّمزة: العيّاب للناس 16.
والمراد: لا يطعن بعضكم بعض - أو لا يعب بعضكم بعضا بيد أو لسان أو عين أو إشارة، فكل ذلك إهانة للمسلم واستخفاف به وتحقير له، وذلك كله حرام - وقوله: {أنفسكم} كقوله: {ولا تقتلوا أنفسكم} أي لا يقتل بعضكم بعضا، لأن المسلمين جميعا كنفس واحدة، فكأن قاتل أخيه المسلم قاتل لنفسه - وكذلك الذي يلمز أخاه المسلم بعيب أو طعن أو إهانة وتحقير فكأنما لمز نفسه.