(ولنسكننكم الأرض من بعدهم) هذا وعد من الله لعباده المؤمنين الثابتين على الطريق، الصابرين على الحق- بنصرهم على الظالمين المجرمين وإسكانهم آمنين مطمئنين ظافرين أرض الظالمين وديارهم عقب هلكتهم وزوال شوكتهم - ذلك وعد من الله غير مكذوب ولا مريب - ووعد الله يقين وحق بأنه ناصر المؤمنين المخلصين في الدنيا والآخرة.
قوله: (ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد) الإشارة إلى إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين أرضهم وديارهم - وذلك كله حق (لمن خاف مقامي) أي خاف جلالي وسلطاني يوم القيامة (وخاف وعيد) أي خاف عذابي الذي يُسامُهُ الظالمون المجرمون جزاء تكذيبهم وظلمهم وعدوانهم على المؤمنين بالإيذاء والصد عن دين الله - 18
قوله تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (15) من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد (16) يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ (17) } استفتح المرسلون على قومهم الظالمين؛ أي استنصروا الله عليهم؛ فقد أذن الله لرسله أن يستفتحوا على قومهم والدعاء عليهم بالإهلاك كما استنصر نوح على قومه الظالمين المجرمين بعد أن استيأس منهم فدعا الله أن يهلكهم ويستأصلهم (وخاب كل جبار عنيد) أي خسر كل متكبر على طاعة الله وعبادته - والعنيد، هو المجانب للحق من العنود ومعناه الانحراف عن الحق والصدق.
قوله: (من ورائه جهنم) (ورائه) ، بمعنى أمام؛ أي من أمام كل جبار جنهم يهوي فيها - وقيل: وراء بمعنى بعد؛ أي من بعد هلاكه جهنم - وقيل: الوراء من الأضداد - فهو يقع على الخلف والقدام - والمقصود: أن ثمة جهنم من أمام الطغاة الجبابرة المعاندين، الناكبين عن منهج الله والذين طغوا في الأرض وصدوا الناس عن دين الله وساموا المؤمنين البلاء والتنكيل والقهر - لا جرم أن هؤلاء جبارون مستكبرون معاندون سيصيرون إلى جهنم وبئس المصير.
قوله: (ويسقى من ماء صديد) (صديد) ، عطف بيان - والتقدير: أنه لما قال (ويسقى من ماء) بين ذلك الماء فقال: (صديد) والصديد: الدم المختلط بالقيح، أو هو القيح والدم مما يسيل من جلود أهل النار 19.
قوله: (يتجرعه ولا يكاد يسيغه) (يتجرعه) ، يعني يتحسَّاه تغصصا أو يشربه قهرا وقسرا جرعة جرعة وليس مرة واحدة وذلك لشدة حرارته ومرارته (ولا يكاد يسيغه) ولا يكاد يزدرده من شدة كراهته - وهو يسيغه بعد إبطاء وذلك من شدة العطش - والعرب تقول: ما كدت أقوم؛ أي قمت بعد إبطاء.
قوله: (ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت) يعني تأتيه أسباب الموت من كل مكان أو جهة؛ إذ تأتيه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن كل موضع في جسده وهو ليس بميت؛ لأنه لا تزهق نفسه فيستريح، ولا هو بحي؛ لأن نفسه تتحشرج وتضطرب في الحناجر فلا ترجع إلى مكانها - وذلك تفظيع لما يصيبه من الآلام الشديدة التي يكفي الواحد منها لإزهاق نفسه.
قوله: (ومن ورائه عذاب غليظ) الضمير في (ورائه) يحتمل عودة وجهين - أحدهما: أنه عائد على الكافر - ثانيهما: أنه عائد على العذاب؛ فيكون المعنى: إن رواء هذا العذاب عذاب غليظ 20، وذلك تفظيع لحال الأشقياء المعذبين في جهنم؛ فإن العذاب الشديد يحيط بهم من أمامهم ومن خلفهم ليذوقوا الهوان البالغ والإيلام الفظيع 21.