قوله: {لقد تاب الله النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة} التوبة من الله على رسوله من أجل الذنب - وهو بالنسبة إلى رسول الله من باب خلاف الأولى - وفسره ابن عباس بالإذن للمنافقين في التخلف - أما الذنب بالنسبة إلى الصحابة: فيمكن أن يكون حقيقيا؛ إذ لا عصمة لغير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام - وقيل: كان ذنبهم من باب خلاف الأولى كالميل إلى القعود عن عزوة تبوك إذ وقعت في فترة شديدة وعسيرة - وهي قوله: {في الساعة العسرة} والعسرة خلاف المسيرة - ويوم عسير؛ أي شديد، وتعسر الأمر واستعسر؛ أي اشتد والتوى - وأعسر: افتقر - وجيش العسرة معناه جيش تبوك؛ لأنهم ندبوا إليها في حمارة القيظ فعسر عليهم 218.
قوله: {من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم} كاد من أفعال القرب وفيه ضمير الشأن - وضمير الشأن اسم كاد - وقلوب فاعل يزيغ - والجملة في محل نصب خبر كاد 219، والآية تبين مدى الشدة البالغة التي حاقت بالمسلمين في تبوك حتى كاد يميل بعضهم إلى التخلف عن الرسول صلى الله عليه وسلم أو يميل عن الثبات على الإيمان فحمله ذلك على مجرد الهم والوسوسة والارتياب في رسوله الله صلى الله عليه وسلم وفي دينه لفرط ما أصابهم من الشدة والكرب - وقيل: كان الميل من ضعافهم ومن حديثي العهد بالإسلام.
قوله: {ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} ذلك تكرير للتأكيد على التوبة على المؤمنين لما ذكر أن فريقا منهم كادت تزيغ قلوبهم؛ إذ ساورهم الشك وساء ظنهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم وهموا بانصراف عنه - لكن الله جلت قدرته قد تجاوز لهم عن كل ذلك؛ إذ تاب عليهم، وسبب التوبة هي الرأفة من الله بهم ورحمته التي وسعت كل شيء 220.
118 - (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)
قوله تعالى: {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم 118 يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين} .