فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 2536

وعلى العموم فإن على المسلمين أن يؤمنوا بالتوراة والإنجيل كتابين منزلين من عند الله من قبل أن يمسهما التحريف والخلط - أما التوراة والإنجيل على حالهما التي نرى اليوم، فما على المسلمين من سبيل لو أنهم وقفوا منهما موقف المتوسط المحايد من غير تصديق ولا تكذيب، وخير ما يستدل به على ذلك ما رواه البخاري عن أبي هريرة قال: كان أهل الكتاب يقرأون التوراة بالعبرانية، ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) :"لا تصدقوا أهل الكتاب، ولا تكذبوهم، وقولوا آمنا بالله وما أنزل الله"124.

قوله: {وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم} أي أننا نؤمن بما نزل على النبيين ونصدقهم في ذلك جميعا دون استثناء، فلا نؤمن ببعض ونكفر ببعض، وإنما نؤمن بالنبيين كافة وأنهم جميعا صادقون ويصدرون فيما يقولون ويبلّغون عن وحي الله الأمين - ويشبه ذلك قوله سبحانه في المسلمين الذين يؤمنون بجميع النبيين والمرسلين من غير تفريق فلا يصدقون بعضا منهم ويكذبون آخرين {آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله} أي لا نؤمن ببعضهم ونكفر ببعضهم الآخر كالذي عليه اليهود والنصارى.

قوله: (ونحن له مسلمون) الضمير في قوله: (له) يعود على لفظ الجلالة - أي أننا نحن أتباع هذه الملة نعلن في تصديق قاطع مستيقن أننا على صراط الله القويم وعلى سبيله المستقيم، وأننا ممتثلون لأمره ودينه وشرعه غير مترددين ولا مرتابين ولا مستنكفين.

وقوله: {فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق} على المسلمين أتباع هذه الملة أن يدعوا أهل الكتاب إلى الحق (فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به) أي إن صدقوا وأيقنت أنفسهم بما آمنتم به فقد اعصتموا بدين الله الحق وأصابوا تمام الصواب - وقيل: إن مثل زائدة ليكون المعنى: فإن آمنوا بما آمنتم به فقد اهتدوا - وقيل: الباء زائدة ليكون المعنى: فإن آمنوا مثل ما آمنتم به فقد اهتدوا 125 وقيل غير ذلك - ولعل القول الأول أصوب؛ لانسجامه مع السياق والمعنى - وهو أنهم إن آمنوا بما آمنتم به أنتم فقد أصابوا واستقاموا - ومعلوم أن المسلمين آمنوا بالنبيين جميعا وما أنزل عليهم من كتب يبلغونها للناس.

أما إن تولوا عما آمن به المسلمون وصدقوه {فإنما هو في شقاق} والشقاق والمشاقة بمعنى الخلاف والعداوة، نقول شاقة مشاقة وشقاقا أي خالفه، وحقيقة ذلك أن يأتي كل منهما ما يشق على صاحبه فيكون كل منهما في شق غير شق صاحبه 126.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت