قوله: (وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي) ، (الفحشاء) ، يعني: الزنا، وما يشتد قبحه من الذنوب، وكل ما نهى الله عنه 102 - وأما (المنكر) : فهو ما أنكره الشرع بالنهي عنه - فهو بذلك يعم سائر المعاصي والمناهي على اختلاف أنواعها - وأما (البغي) ، فهو في الأصل بمعنى التعدي، وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء 103، ومعناه ههنا: الكبر والظلم والعدوان على الناس - وفي الحديث:"ما من ذنب أجدر أن يُعجّل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدخر لصاحبه في الآخرة، من البغي وقطيعة الرحم".
قوله: (يعظكم لعلكم تذكرون) ، أي: يذكركم الله لتتعظوا بمواعظه؛ وتنيبوا إليه مخبتين مذعنين 104.
قوله تعالى: {وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون (91) ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة إنما يبلوكم الله به وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون (92) } ، هذا أمر من الله للمؤمنين بالوفاء بالعهود والعقود والمواثيق والأيمان مما عقد باللسان أو خطه القلم - فما كان من ذلك فقد وجب التزامه دون نقض أو تفريط - فقال سبحانه: (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) ، والعهد، معناه في الأصل: الأمان واليمين، والموثق والذمة، والحفاظ والوصية 105.
فكل ذلك قد أوجب الإسلام الوفاء به تماما - وأيما تقصير في ذلك أو مماحلة أو تفريط، فليس إلا الخيانة والغدر - وهذا واحد من معاني الإسلام وقيمه العليا في ترسيخ مكارم الأخلاق؛ ليكون الناس بذلك أوفياء مؤتمنين حق الائتمان، فلا يخونون ولا يغشون ولا يخادعون مهما تكن الظروف.
فما يزيغ المسلم عن شيمة الوفاء بالعهد - فلا يخادع ولا ينقض الميثاق أو العهد الذي بينه وبين غيره من المؤمنين والكافرين - لا يزيغ - كما علمه الإسلام- عن قاعدة الإخلاص والصدق والوفاء، كما يزيغ غير المسلمين من الذين يبررون الوسائل كيفما كانت للوصول إلى غاياتهم ومقاصدهم؛ فهم بذلك يكذبون وينافقون ويخادعون ويتلصصون لبلوغ مآربهم وأهوائهم - فما تتاح لهم فرصة حتى يقلبوا لمواثيقهم وعهودهم ظهر المجن فينقضوها نقضا - أما المسلمون: فإنهم صادقون أوفياء ثابتون على عهودهم مع الناس؛ لأنهم توطنت أنفسهم على قيم الإسلام ومعانيه الفضلى في الوفاء والبر ونبذ المراوغة والكذب.
وقد قيل: نزلت هذه الآية في بيعة النبي (ص) على الإسلام - وقيل: نزلت في التزام الحِلْف الذي كان في الجاهلية، وجاء الإسلام بالوفاء به، فقد روي في الصحيح:"وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة"- والمراد بالشدة: ما كان في نصرة الحق ومواساة المكروبين - ونظير ذلك حلف الفضول؛ إذ اجتمعت قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدعان لشرفه ونسبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو غيرهم إلا قاموا معه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف حلف الفضول، أي: حلف الفضائل - وفيه قال رسول الله (ص) :"لقد شهدت في دار عبد الله ابن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حُمْر النّعم، لو أدعى به في الإسلام لأجبت".