فهرس الكتاب

الصفحة 1370 من 2536

والمعنى: إذا أراد الله إمضاء ما سبق من القضاء بإهلاك قوم، أو حان وقت إهلاكهم؛ أمرهم بطاعته واتباع شرعه واجتناب معصيته، وقيل: أمرنا الجبابرة المتسلطين من الحكام والساسة (ففسقوا فيها) أي أبوا إلا أن يفعلوا المعاصي والفواحش والخروج عن دين الله ومنهجه وشرعه، والاستعاضة عن ذلك بشرائع الكفر والباطل (فحق عليها القول) أي وجب عليها الوعيد بالعذاب (فدمّرناها تدميرا) فأهلكناها إهلاكا.

قوله تعالى: {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا} كم، في موضع نصب مفعول للفعل (أهلكنا) أي كثيرا أهلكنا منهم - وذلك وعيد من الله تعالى يتهدد به المشركين من العرب الذين كذبوا رسول الله (ص) وإخبار منه سبحانه لهم بأنهم إذا لم ينتهوا عن تكذيبهم وعتوهم وباطلهم الذي هم فيه؛ فإن الله منزل بهم من العقاب ما أنزله بالأمم السابقة كقوم عاد وثمود وغيرهم، أولئك الذين استكبروا وفسقوا عن دين الله وأبوا إلا التمرد والعصيان؛ فقد أهلك الله أمما كثيرة من بعد نوح حتى زمانكم بسبب جحودكم وتكذيبهم، وأنتم أيها المشركون العرب نظراؤهم في الكفر والضلال، ولستم خيرا منهم - فليس من شيء يحول دون تعذيبكم وإهلاككم كما عذبوا وأهلكوا.

قوله: (وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصير) الله يعلم ما يفعله العباد من ذنوب، وهو يبصر ما يصدر عنهم من أفعاله؛ فهو سبحانه عليم بالخوافي والأسرار 21.

قوله تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا (18) ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (19) } .

في (العاجلة) ، عبّر بالنعت عن المنعوت، والمراد الدار العاجلة؛ أي دار الدنيا، وهي دار الفناء - والمعنى: من كان يبتغي الدنيا العاجلة الفانية وحدها ولا يسعى ويشقى إلا من أجلها والاستزادة من متاعها وزينتها (عجلنا له فيها ما نشاء) أي نعجل له في العطاء منها ما نشاء لا ما يشاء المتعجل (لمن نريد) بدل، من قوله: (له) 22 أي من كانت بغيته الدنيا وحدها أعطى الله منها ما شاء أن يعطيه لمن شاء أن يعطيه من هؤلاء الذين لا يبتغون غير الدنيا وزينتها - وبذلك فإن المعجل قد قُيد بقيدين - القيد الأول: قوله: (ما نشاء) أي ما يشاء الله تعجيله منها للمريد، لا ما يشاؤه المريد نفسه.

وبذلك فإن كثيرا ممن يريدون الدنيا وحدها لا ينالون منها ما يريدون ويتمنون؛ لأن الله يعطي الدنيا لمن يشاء من عباده؛ فالمعطي هو الله -.

القيد الثاني: قوله: (لمن نريد) أي لمن يريد الله أن يعجل له العطاء من هؤلاء الذين يريدون الدنيا - وهو ما تقتضيه مشيئته وحكمته.

وهذه حقيقة ما ينبغي أن تغيب عن أولي الاعتبار والنباهة وهي أن المرء مهما غالى في الحرص والسعي والاجتهاد في طلب الدنيا؛ فإنه لا يعطى منها إلا ما أعطاه الله إياه - وهو بإقباله على الدنيا وإدباره عن الآخرة لا يزيد من حظه في الدنيا إلا ما أعطاه ربه فما يحصد من إدباره عن الآخرة وتشبثه المطلق بالدنيا غير الهوان والخسران.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت