فهرس الكتاب

الصفحة 213 من 2536

قوله: (بإذنه) أي بعلمه، وقيل: بأمره، والراجح عندي أن المعنى يشمل العلم والأمر معا، فالله سبحانه قد هدى هذه الأمة لما اختلف فيه أهل الكتاب وذلك بعلمه وأمره.

قوله: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع (يهدي) جملة فعلية في محل رفع خبر (من) اسم موصول في محل نصب مفعول به للفعل يهدي - وهذه الآية تدل على نحو واضح وظاهر لا يقبل التمحل المصطنع، على أن الله جل جلاله بيده الهداية وترشيد الناس إلى الحق، وأنه سبحانه قادر على هداية الخلق جميعا أو إضلالهم جميعا وما من مهتد ولا ضال إلا والله عليهم بهدايته أو ضلالة في الأزل البعيد.

ومن جهة أخرى فإن الله قد بسط لعباده أسباب الهداية والرشاد كيلا يظلمهم أو يذرهم تائهين حيارى - ومما هو معلوم أن الله جلت قدرته زود الإنسان بقدر هائل من زخم العقل والإرادة والفطرة والدينونة - فما تركه ليمضي في الحياة عبثا وما جعله خاويا متعريا من ظواهر القدرة على الاهتداء إلى الله - ومن كان شأنه غير ذلك فهو كائن معطل مشلول قد غاضت فيه كل ظواهر الهداية والاستبصار 273.

214 - (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ)

قوله تعالى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) - (أم) تعني بل - للاستفهام - (حسبتم) أي ظننتم وهي تنصب مفعولين الأول المصدر من أن تدخلوا - والثاني محذوف تقديره واقعا - وتقدير العبارة: بل حسبتم دخول الجنة واقعا - ولما أداة نفي وجزم.

وقد جاء في سبب نزول هذه الآية عدة أقوال، منها أنها نزلت في غزوة الخندق عندما أصاب المسلمين الفزع ونالهم من الكرب والشدة ما نالهم.

ومنها أنها نزلت بعد معركة أحد، وهي المعركة الحافلة بالمواقف والمشاهد والعبر، وقد مني المسلمون عقيبها بجراحات وقتل، وأصابهم من القرح ما هزهم هزا.

ومنها أنها نزلت؛ لتسري عن المهاجرين لتركهم ديارهم وأموالهم وأهليهم بعد أن خرجوا إلى المدينة لا يملكون من كراع الدنيا وزخرفها شيئا - وقيل غير ذلك 274.

والصحيح أن هذه الآية تفيد العموم، فهي في مدلولها تنسحب على كل المؤمنين الذين يقعون تحت طائلة الظالمين ليسوموهم العذاب الأليم، وليست هذه الحقيقة قاصرة على زمن بعينه أو مكان محدود أو مجموعة من الناس بالذات، ولكنها تصدق على كل مؤمن أيا كان ابتلاه الله بشيء من عذاب.

ويذكر الله عباده المؤمنين من أصحاب الملة المحمدية بالذين خلوا من قبلهم أي مضوا وبيّن لهم أنهم (مستهم البأساء والضراء وزلزلوا) و (البأساء) معناها الفقر و (والضراء) المرض - فالذين مضوا من قبلُ من المؤمنين امتحنهم الله بالشدائد والأرزاء التي تفتر عندها الهمم وتلين أمامها الإرادات - وكذلك قد امتحنهم بالله بالخوف والترعيب من الأعداء حتى (زلزلوا) أي حُرّكوا واضطربوا من شدة الخوف - والزلزلة تكون في الأشخاص وفي الأوضاع والأحوال، وهي بمعنى الحركة والاضطراب لما حل من نكبات وقوارع ترتجف لها القلوب والأبدان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت