فهرس الكتاب
قوله: (وآتيناه في الدنيا حسنة) ، هذا النبي العظيم المفضال قد أوتي في هذه الدنيا حسنة تميزه عن غيره من الناس والنبيين - وفي حقيقة هذه الحسنة تفضيل، وجملته: أنها الذكر الحسن والثناء الجميل على مر الأيام والأزمان، فأكثر الخلق يقرون بنبوته - وتحقيق الكلام في ذلك أن الله أجاب دعوته: (واجعل لي لسان صدق في الآخرين) ، وقيل: آتاه الله الولد الطيب الصالح ففي ذريته النبوة والرسالة - وقيل: يراد بها الصلاة عليه؛ فقد جعلت مقرونة بالصلاة على محمد (ص) وذلك قول المصلي المسلم:"كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"وقيل: غير ذلك من عظيم الخصال - قوله: (وإنه في الآخرة لمن الصالحين) ، إن إبراهيم يوم القيامة مع الصالحين أولي الدرجات العُلا والمنازل الرفيعة في الجنة - وفي ذلك تنبيه على دعائه المستجاب: (رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين) ، فجعله الله من الصالحين.
قوله: {ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} ، (حنيفا) ، منصوب على الحال من الضمير المرفوع في قوله: (اتبع) 141 وقد أمر الله نبيه محمدا (ص) باتباع الحنيفية المسلمة التي كان عليها إبراهيم؛ فقد كان إبراهيم حنيفا، أي: مائلا إلى الإسلام مبرأ من الشرك وهو قوله: (وما كان من المشركين) 142.
قوله تعالى: {إنما جعل السبت على الذين اختلفوا فيه وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} ، لم يفرض الله تعظيم يوم السبت إلا على الذين اختلفوا فيه؛ إذ قال بعضهم، وهو اليهود: إنه أعظم الأيام - وقال آخرون وهم النصارى: بل أعظم الأيام يوم الأحد - فاختاروه وتركوا تعظيم يوم الجمعة.
على أن المراد بقوله: (على الذين اختلفوا فيه) ، على نبيهم موسى؛ إذ أمرهم بالجمعة فاختاروا السبت - فاختلافهم في السبت كان اختلافا على نبيهم في ذلك اليوم - وليس المراد أن اليهود اختلفوا فيه، فمنهم من قال بالسبت ومنهم من لم يقل به - وقيل: المراد باختلافهم في يوم السبت: أنهم أحلوا الصيد فيه تارة وحرموه تارة أخرى؛ فشدد الله عليهم.
قوله: (وإن ربك ليحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون) ، سوف يحكم الله بين هؤلاء المختلفين في السبت عندما يصيرون إلى الله يوم القيامة، وحينئذ يقضي الله للفئة المؤمنة المستقيمة منهم بحسن الجزاء، ولأهل الباطل- وهم الأكثرون - بسوء المصير.