فهرس الكتاب

الصفحة 2236 من 2536

واختلف أهل التأويل، هل يكتب الملك كل شيء من الكلام - ثمة أقوال في ذلك - فقد قيل: يكتب على ابن آدم كل شيء حتى الأنين في مرضه، فقد ذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه فبلغه عن طاووس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين، فلم يئن أحمد حتى مات رحمه الله - وقيل: لا يكتب إلا ما يؤجر به المرء أو يؤزر عليه - وقيل: يكتب عليه كل ما يتكلم به حتى إذا كان آخر النهار محي عنه ما كان مباحا مما لا علاقة له بالأجر أو الوزر.

قوله: {وجاءت سكرة الموت بالحق} {سكرة الموت} أي غمرته وشدته وما يغشى المرء من فظاعة الكرب إذا أتته الملائكة لانتزاع روحه - وحينئذ يظهر له اليقين وينكشف له الحق الذي كان يماري فيه - وهو وعد الله ووعيده.

قوله: {ذلك ما كنت منه تحيد} يقال للمرء إذا غشيه الموت بسكراته الفظيعة: ذلك الذي كنت تعدل عنه وتفرّ منه ولا تعبأ به - فها هو قد جاءك فلا مناص عنه ولا محيد - وقيل: {ما} نافية، أي ذلك ما لا يستطيع مجانبته والحيدة عنه.

فهذه هي غمرة الموت بشدتها وفظاعتها تغشى الناس عند الاحتضار فتذهب بالعقول وتثير الهول والذهول - ويكشف عن هذه الحقيقة الرهيبة ما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول"سبحان الله، إن للموت سكرات".

قوله: {ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد} ينفخ الملك في البوق، إيذانا بزوال الدنيا وقيام الساعة - والمراد بالنفخة هنا - على الأظهر- الثانية - وهي النفخة التي يبعث الله الناس فيها أحياء، إذ يخرجون من قبورهم ثم يساقون إلى الحشر ثم إلى الحساب - ولا جرم هذا أوان الشدائد والأهوال التي تغشى البشرية كافة ليجد الناس من ألوان الذعر والأفزاع والبلايا ما يشيب لهوله الولدان {ذلك يوم الوعيد} أي اليوم الذي توّعد الله فيه المجرمين بالعقاب وسواء الجزاء.

قوله: {وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد}

السائق والشهيد ملكان من الملائكة، أحدهما: يسوق الإنسان إلى الحشر،

أو يسوقه إلى الله

وثانيهما: يشهد عليه بما عمل.

قوله: {لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطائك} والمخاطب الإنسان سواء كان برا أو فاجرا، إذ يقال له إذا سيق إلى الحشر: لقد كنت غافلا عن هذا اليوم وما فيه من الأهوال

فأظهرناه لعينيك فعاينته فأنت اليوم نافذ البصر

أو ذو بصر نافذ قوي 15.

قوله تعالى: {وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد 23 ألقيا في جهنم كل كفار عنيد 24 مناع للخير معتد مريب 25 الذي جعل مع الله إلها آخر فألقياه في العذاب الشديد 26 قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد 27 قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد 28 ما يبدل القول لدي وما أنا بظلام للعبيد} .

ذلك كله كائن يوم الحساب يوم يصير الخاسرون الأشقياء إلى مصيرهم الرهيب - وحينئذ لا يجدون لأنفسهم مفرا ولا منجاة - وذلك قوله سبحانه: {وقال قرينه هذا ما لدي عتيد} والمراد بقرينه، الملك الموكل به إذ يقول: {هذا ما لدي عتيد} يعني هذا الذي وكلت به من كتابة أعماله معد ومحفوظ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت