قوله: {وَلاَ تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} {مرحا} ، مصدر منصوب على الحال 23 أي لا تمش مختالا متكبرا وقد استحوذ عليك الغرور والإعجاب بالنفس {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} لا يحب الله المختال، وهو من الاختيال أي المبالغة في المرح - والفخور، المعجب بنفسه، والذي يفتخر على الناس بما أوتيه من حظوظ الدنيا.
قوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} القصد في اللغة، بين الإسراف والتقتير - {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أي أرْبعْ على نفسك 24 والمراد بالقصد في المشي التوسط فيه؛ ليكون ما بين الإسراع والبطء - وذلك من مكارم الأخلاق ومن صفات المؤمنين المتواضعين؛ إذ يمشون في الأرض مشية الوقار والاعتدال بعيدا عن رعونة السرعة واختيال البطء.
قوله: {وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ} غض الصوت خفضه 25 والمراد عدم المبالغة في رفع الصوت والجهر به وإنما يجهر بصوته مقدار ما يحتاجه السامع.
قوله: {إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} ذلك مثل في ذم الأصوات العالية من غير حاجة أو فائدة؛ فقد شبّه حديث المتصايحين الذين يتخاطبون بأعلى الأصوات بصوت الحمير؛ وذلك لقبح صوت الحمير وبشاعته وهو نهيقه أو نُهاقُه - لا جرم أن نهيق الحمير قبيح ومنفر - وفي ذلك روى النسائي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه ومسلم قال:"إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان؛ فإنها رأت شيطانا"26.
قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ (20) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ} .
يمنّ الله في هذه الآية على عباده بما في ذلك من استفهام على سبيل التقريع للمشركين المكذبين الذين يجحدون نعم الله الكثيرة، فقد سخر الله لهم ما في السماوات والأرض من النعم - أي يسَّرها وذللها لهم لينتفعوا بها، سخر لهم ما حوته السماوات والأرض من شمس مضيئة مشرقة، وقمر ساطع منير، وكواكب لوامع ونجوم هائلة ثوابت، وأجرام كثيرة ومختلفة ومبثوثة في أرجاء الكون الفسيح، تجمع بينها قوانين مستقرة، في غاية الدقة والإحكام فلا خبط ولا عِِثار ولا فوضى - وكذلك سخر لهم ما في الأرض - هذا الكوكب المتقن الدائر العجيب بما حواه من بحار وأنهار وأشجار فيها من كل الثمرات - وكذلك الهواء الذي يملأ الأرض بمركباته الدقيقة، ومن أهمها عنصر الأكسجين الذي تتنفسه الأحياء فلا تموت - إلى غير ذلك من وجوه المنافع المستفادة من طبقات الأرض ومركباته كالمعادن والمياه والأسماك والطقوس والبيئات والأحوال المختلفة المتكاملة - كل ذلك بفعل الله وتقديره فهو سبحانه الخالق القادر المنّان.