قوله: {فاستمسك بالذي أوحى إليك إنك على صراط مستقيم} ذلك تأنيس من الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وتثبيت لقلبه، كيلا يعبأ أو يبتئس أو يتزعزع من كيد الكافرين وإعراضهم وصدهم عن دينه فيقول له: تمسّك بما أوحي إليك يا محمد وهو القرآن فإنك على الصراط الحق صراط الله المستقيم وهو دين الإسلام العظيم.
قوله: {وإنّه لذكر لك ولقومك} يعني القرآن، فهو شرف لك يا محمد ولقومك من قريش، فقد نزل القرآن بلسان قريش فاحتاجت العرب على اختلاف قبائلها إلى أن تتعلم لسان قريش ليتدبروا معاني القرآن فيقفوا على بلاغته وروائع إعجازه وظواهر كماله، وبذلك شرفت قريش على سائر أهل اللغات.
قوله: {وسوف تسئلون} يعني سوف يسألك الله وإياهم عما عملتم في هذا الكتاب الحكيم الذي فيه ذكركم، هل التزمتم أحكامه وأوامره وازدجرتم عن زواجره، وتجنبتم مناهيه ومحاذيره، وهل عملتم على إشاعة معانيه وأفكاره ومقاصده بين العباد ترغيبا لهم فيه.
قوله: {وسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون} يعني سل المؤمنين من أهل الكتابين، التوراة والإنجيل: هل جاءتهم رسلهم إلا بالتوحيد وعبادة الله وحده - والمراد التأكيد على أن جميع الرسل قد دعوا إلى ما دعوت أنت الناس إليه من عبادة الله وحده لا شريك له والنهي عن عبادة الأصنام والأنداد 19.
قوله تعالى: {ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملإيه فقال إنّي رسول ربّ العالمين 46 فلمّا جآءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون 47 وما نريهم من آية إلاّ هي أكبر من أختها وأخذناهم بالعذاب لعلّهم يرجعون 48 وقالوا يآأيّه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون 49 فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون} .
ذلك إخبار من الله عن نبيه وكليمه موسى عليه الصلاة والسلام، إذ أرسله الله {إلى فرعون وملإيه} وهم أشراف قومه وكبراؤهم وسادتهم.
أرسله إليهم بالمعجزات الخوارق وهي تسع آيات بينات يستيقنها كل ذي لب وبصر، ولا ينكرها أو يكذب بها إلا كل جحود عتلّ مستغرق في الضلالة والعتوّ {فقال إني رسول رب العالمين} نبّههم موسى إلى أنه مرسل إليهم من ربه وقد جاءهم بهذه المعجزات الخوارق التي لا يؤتى مثلها إلا نبي مبعوث من رب العالمين.
{فلمّا جآءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون} ضحك فرعون ومن حوله من الأتباع والرعاع والمنافقين من قومه القبط - استهزاء وسخرية من الآيات البينات والمعجزات الباهرات التي تقرع الأذهان وتفزع القلوب إفزاعا - لكن القوم وفي رأسهم الطاغية الأكبر فرعون، قد سخروا من آيات الله ومعجزاته مكابرة وعنادا وإفراطا في التجبر والاستكبار - وهم في ذلك يبتغون إيهام شعبهم الخائر المستخفّ أن ما جاءهم به موسى من المعجزات ليس إلا ضربا من السحر والتخييل.