قوله: (ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور) المراد بالنور، الهداية - فإنما الهداية بالإسلام - هذا الدين الرباني الكامل الذي جيء به هداية للعالمين؛ إذ يدفع عنهم الأذى والشر وكل وجوه الفساد والباطل - ويقرر في حياتهم الخير والسعادة وكل وجوه الحق والتوفيق - فمن لم يهتد بالإسلام فلن يحظى بهداية أو سعادة وإنما يتيه في حياته ضالا تاعسا متعثرا، ويوم القيامة يرد إلى عذاب الله الشديد 61.
قوله تعالى: {ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (41) ولله ملك السماوات والأرض وإلى الله المصير (42) ألم تر أن الله يزجي سحابا ثم يؤلف بينه ثم يجعله ركاما فترى الودق يخرج من خلاله وينزل من السماء من جبال فيها من برد فيصيب به من يشاء ويصرفه عن من يشاء يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار (43) يقلب الله الليل والنهار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار (44) } الخطاب من الله لرسوله (ص) - والاستفهام للتقرير - والمعنى: قد علمت يا محمد بالحس والمشاهدة والنظر (أن الله يسبح له من في السماوات والأرض) أي ينزهونه عما لا يليق به في ذاته وصفاته وأفعاله - والمراد بمن في السماوات والأرض؛ كل كائن سواء في ذلك العقلاء من الإنس والجن والملائكة، أو غير العقلاء كالكواكب والبحار والأشجار والجبال - أما العقلاء: فيخشى الله منهم المؤمنون الذين يعبدونه ويسبحونه - أما غير المؤمنين: فإنما يعبدون الله بصفاتهم وهيئاتهم الخِلْقية التي جُبلوا عليها - أي أن آثار الصنعة الإلهية في غير المؤمنين تنطق بأن الله حق، وأنه الخالق الموجد المتصف بصفات الكمال - وكذلك غير العقلاء من خلق الله كالطير والبهيمة، فإن ما يسمع من أصواتها وما يشاهد فيها من آثار الصنعة الإلهية من توالد وتكاثر وتذليل وغير ذلك من وجوه الحركة فيها، فإن ذلك كله تسبيح لله؛ أي تنزيه له عن كل عيب أو نقيصة.
وأما الجمادات: فإنها على الدوام تسبح بحمده وذكره فلا تفتر ولا تكلّ، وهيئة تسبيحها وذكرها لا يعلمها غير الذي ذرأها وكوّنها - وفي ذلك من التوبيخ للكافرين الضالين ما لا يخفى؛ فقد ضل هؤلاء الغافلون العصاة عن أمر الله وزاغوا عن منهجه الحق وصراطه المستقيم، وانفتلوا يعبدون الأوثان على اختلافها من الأحجار والتماثيل وغير ذلك من طواغيت الجن والإنس الذين أضلوهم وزينوا لهم الفساد والشر، وحملوهم على التلبس بالباطل حملا، مخلفين وراءهم منهج الله القائم على الحق والعدل والتوحيد.
قوله: (والطير صافات) الطير، معطوف على الموصول (من) و (صافات) منصوب على الحال - أي يصففن أجنحتهن في الهواء طائرات محلقات، وقد خصهن الله بالذكر لما يتجلى فيهن من بديع الصنعة وعجيب الهيئة والمنظر المثير مما نجده في الطير وهو يجوب الفضاء خافقا بجناحيه في صورته الجميلة وطيرانه العجيب ورفيفه المذهل الخلاب مما يستوقف العقل أيما استيقاف كيما يتدبر ويتفكر وإنه لا يدّكر بعد ذلك من البشر إلا كل عتّل جاحد أثيم.