لكن التقليد المستساغ ذلكم الذي يتبع فيه المرء سبيل الوحي المنزل من السماء - وأساس ذلك أن الوحي حق - أو هو وجه من أوجه الحق المطلق الأكبر - فهو بذلك صواب كله وحق كله؛ لأنه من إرادة الله سبحانه؛ إذا امتنَّ على الإنسان في هذه الأرض أن هداه إلى صراطه المستقيم، وعلمه من الحق ما لم يكن يعلم.
وما كان الإنسان ليعلم كثيرا من وجوه الحق لولا الوحي الصادق الأمين الذي يحمل إلى الأرض رسالة اليقين بما في ذلك العقيدة صادقة متماسكة متينة قائمة على صدق الفطرة وكامل الوعي والتفكير المستنير.
ومن التقليد السليم اتّباع العلماء والمستنبطين وأولي الألباب في مختلف مناحي العلوم والمعارف ما داموا من الصالحين الأتقياء الذين يعلّمون الناس الخير ويبصرونهم بحقيقة أمورهم في دينهم ودنياهم.
وفي هذا الإتباع الحميد قد أثنى الله على النبي يوسف عليه السلام الذي أعلن عن اتباعه ملة آبائه من الأطهار الميامين، فقال سبحانه: (إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله وهم بالآخرة هم كافرون واتبعت ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس) .
وفي اتباع أهل العلم وأولي الفكر النير السديد من العلماء والمتخصصين يقول سبحانه: (فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) .
وقوله: (ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء) يشبه الله المشركين الشاردين عن دعوة الحق بالدواب والأنعام التي ينعق بها راعيها مناديا لها وداعيا إياها إلى ما ينفعها ويرشدها، لكنها لا تفقه ولا تفهم مما يقول شيئا وإنما تسمع صوت دعاء ونداء فقط.
وفي قول آخر وهو أن ذلك مثل ضربه الله للمشركين في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تفقه من دعائهم شيئا.
وفي تقديرنا أن القول الأول هو الراجح - ذلك أن النبي (ص) لهو الراعي لهذه الأمة؛ فهو هاديا ومرشدها إلى السلامة والنجاة، لكن المشركين المعاندين أشبه بالأنعام والدواب التي لا تفقه من دعائه وندائه لهم شيئا، بل تسمع مجرد صياح فقط - وقريب من ذلك قوله تعالى في هذا النبي الكريم (ص) إذا دعا قومه لعبادة الله والانسلاخ من ربقة الجاهلية، لكنهم في أول الأمر نكصوا نكوصا جانحا، وكان مثلهم في ذلك مثل الحمر التي تتولى فرارا من أسد عظيم: (كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة) .
وقوله ينعق من النعيق وهو الصياح - والدعاء يعني العبادة - والنداء ما كان بصوت مرتفع يسمعه البعيد.
وقوله: (صم بكم عمي فهم لا يعقلون) ذلك وصف للكافرين الشاردين عن نداء الحق لما غشيهم من شلل أصاب فيهم الآذان فباتوا صما، وأصاب فيهم الألسن التي تنطوي فباتت خرسا وكذلك قد أصاب فيهم الأبصار فارتدوا عميا لا يبصرون من الحق شيئا.
ومثل هذا الشلل العام الذي أصاب الآذان والألسن والأبصار قد آل أخيرا إلى أسوأ مآل، وهو أن هؤلاء المشركين المشلولين أصبحوا لا يفهمون من الحق والخير شيئا، بل إنهم لا يفهمون غير الفاسد من القول ولا يسلكون غير السبيل الباطل والخسران (فهم لا يعقلون) .