فهرس الكتاب

الصفحة 1350 من 2536

قولهم: (أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم) ، هؤلاء المشركون الذين بيّن الله صفتهم في هذه الآيات هم الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، أي: ختم عليها، فصاروا لا يعتبرون ولا يتدبرون ولا يسمعون المواعظ ولا يبصرون الحقائق والآيات؛ فكأنما هم غُلف وصُم وعُمي، (وأولئك هم الغافلون) الساهون عن الحق، اللاهون عن الاتعاظ والاعتبار، السادرون في الغيّ والضلال.

قوله: {لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون} ،

هؤلاء الجاحدون الغافلون،

صائرون يوم القيامة إلى الخسران لا محالة

قوله تعالى: {ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا ثم جاهدوا وصبروا إن ربك من بعدها لغفور رحيم (110) يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها وتوفى كل نفس ما عملت وهم لا يظلمون (111) } خبر (إن) قوله: (لغفور رحيم) ، وقيل: الخبر هو نفس الجار والمجرور بعدها - كما تقول: إن زيدا لك؛ أي: هو لك لا عليك، بمعنى هو ناصرهم لا خاذلهم 133.

ومعنى الآية: إن ربك يا محمد للذين تركوا ديارهم ومساكنهم وعشيرتهم ورحلوا عن كل ذلك إلى ديار الإسلام وولاية المسلمين في المدينة من بعد ما فتنهم المشركون في مكة قبل هجرتهم؛ إذ عذبوهم وآذوهم وفتنوهم عن دينهم بقول اللسان لا بالقلب، ثم جاهدوا المشركين بعد ذلك وصبروا على جهادهم، وتبرأوا من مقالتهم؛ إذ نطقوا كلمة الكفر مكرهين، (إن ربك من بعدها لغفور رحيم) ، لقد غفر الله لهم ما كان منهم من نطق للكفر باللسان دون القلب مكرهين وهم يضمرون في أعماقهم الإيمان، والله سبحانه رحيم بهم أيضا؛ إذ لا يعاقبهم على ذلك ولا يؤاخذهم به.

وقيل: نزلت الآية في قوم من أصحاب رسول الله (ص) كانوا قد تخلفوا بمكة بعد هجرة النبي (ص،) فاشتد المشركون عليهم حتى فتنوهم عن دينهم فأيسوا من التوبة؛ فأنزل الله فيهم هذه الآية، فهاجروا ولحقوا برسول الله (ص) .

وقيل: ناس من أهل مكة آمنوا فكتب إليهم بعض أصحاب رسول الله (ص) بالمدينة أن هاجروا فإنا لا نراكم منا حتى تهاجروا إلينا، فخرجوا يريدون المدينة فأدركتهم قريش بالطريق، ففتنوهم وكفروا مكرهين؛ ففيهم نزلت هذه الآية.

قوله: (يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها) (يوم) منصوب برحيم، ولا يلزم من ذلك تقييد رحمته بالظرف؛ لأن الله يرحم في هذا اليوم وفي كل الأيام - وقيل: منصوب بفعل محذوف تقديره: واذكر 134 يوم تأتي كل نفس تخاصم عن نفسها وتحاجّ عنها، وتسعى جاهدة في خلاصها - وحينئذ لا يعبأ كل إنسان إلا بنفسه فلا يهمه غيره البتة، ولا يبرح حينئذ القول: نفسي نفسي (وتوفى كل نفس ما عملت) ، أي: يوفى كل امرئ ما أسلف في دنياه من طاعة ومعصية، أو من خير وشر؛ فلا يجزي إلا ما يستحقه من الجزاء، (وهم لا يظلمون) لا يحيق بهم أيما ظلم، ولا يبخس المحسنون من أجورهم شيئا 135.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت